ونلفت الأنظار إلى أن تلك الخوارق لم تقع بين كفار يجحدون، وإنما وقعت بين مؤمنين استقر في صدورهم اليقين، وهنا قد يسأل سائل: ألم يكن الكفار أولى برؤية هذه الخوارق ليؤمنوا؟ ونجيب بأن الذين كفروا من قبل قد قست قلوبهم واستغلقت عقولهم فهم لن يتغيروا برؤية المعجزات التى يظهرها الله على أيدى رسله، وإذا رأوها فسيقولون: سحر، أو شعوذة، أو أى شىء آخر. ولعل ذلك هو السر فيما رواه متى عن عيسى عليه السلام لما طلبت منه اية:"جيل شرير فاسق يلتمس آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان"يونس"النبى، وتركهم ومضى". وقد أكد مرقس هذا المعنى [ 8: 11- 12 ] فخرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكى يجربوه، فتنهد بروحه وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية! الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية..". وفى الأجيال المتعصبة المستكبرة على الحق يقول الله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم) . إن عالم المرويات ممدود الأرجاء، وما نحب أن يشتغل كل الناس بالتجوال فيه، فإن ذلك لا يصلح له إلا رجل يجمع بين أمرين: الأول معرفة المقبول من المردود، الثانى معرفة الصحيح على وجهه المراد، فقد رأيت ناسا يروون الحديث الصحيح بيد أن معناه في عقولهم باطل! وقد أصاب الإسلام من هؤلاء ضر شديد!. بل إن فسادا واسعا وقع في عالم الاقتصاد، وفى فقه العلاقات الدولية، وفى العلاقات بين الجنسين، وفى بيان أصول الحكم بسبب العوج في الفهم، أو القصور في الفقه اللذين يصيبان مشتغلين بالمرويات. والواجب أن تزداد عناية المسلمين بفقه الكتاب، فإن النكبة في هذا الفقه لا يداويها الاستبحار في السنن، كما أنه لابد من ذوب العقول الكليلة عن العبث بما يقع بين يديها من مرويات، فهى تسىء أكثر مما تحسن ص _063"