إن عناصر العدل السياسى والاجتماعى من صميم الأعمال الصالحة، ولن ينزل! الوحى ليعلم المدير كيف يدير، أو المدرس كيف يعلم، أو الصانع كيف يبدع أو السائق كيف يحترم الطريق فذلك كله تهتدى إليه الفطرة المؤمنة، وتندفع إليه بالذكاء الطبيعى، ومن ثم اقترن الإيمان والعمل الصالح.. هذا العمل الصالح تنداح دائرته لتشمل الدنيا كلها، وحرية الحركة فيه مطلقة ما تستثنى منه إلا المأثورات التى خمد الشارع قالبها عندما قال مثلا"صلوا كما رأيتمونى أصلى...". وهذه المأثورات القولية والعملية قليلة، ووقتها محدد.. أما بقية الأعمال الصالحة فلا تكاد تحصر، إنها الحياة كلها، وحسب المسلم في شرح موقفه منها أن يتدبر الآية الكريمة (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) . وهناك ملحظ مهم فقد يعترى العبادات المقررة ما يطيح بثمرتها ويبطل جدواها، وذلك عندما تتحول إلى عادات بدنية تؤدى خلال غيبوبة عقلية، والحق أنه لا خير في قراءة بلا وعى، ولا في ركوع بلا خشوع. ومع أن الصلاة عمل من قمم الشرف الإنسانى فإنها آخر ما ينحل من عرى الإسلام والسبب هو هبوطها عن درجة مناجاة الله إلى أقوال وأفعال ميتة لا تؤكد يقينا ولا تؤسس خلقا. وعندما تنحط العبادات إلى هذا المستوى فإن أعمالا مدنية أخرى تشتد فيها حرارة الإخلاص ويتألق فيها حسن القصد تكون أرجح عند الله، وأجدى على الحياة من هذه العبادات الغليلة. ص _017