فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 30

كانت النفس متكاملة التكوين أو ناقصته كالأشل والمريض ومن في حكمهما وينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة هي تغير الظروف ووجوب تغير الأحكام والعلل والأسباب التي بنيت عليها فحين أجاز بعض فقهاء المذهب الحنفي -كما رأينا- الإجهاض قبل نفخ الروح فيه ينوه على عدم قدرة الأب استئجار مرضعة لولده حين ينقطع لبن أمه بسبب حملها الآخر · فإذا تغيرت الظروف ولم يعد استئجار المرضعة سائدًا إمَّا بحكم تغير العادات، أو بسبب تكاليفه ومن ثم حل محل ذلك الإرضاع الصناعي بتكاليف يقدر عليها الأب فإنهم حينئذ سيحرمون الإجهاض لزوال العلة ·

وإذا حبذ الاجتهاد عدم الزواج من الأقارب كما نصح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بني السائب بأن ينكحوا الغرائب من الزوجات حتى تكون سلالتهم أقوى في تكوينها بقوله: (أراكم قد أضويتم فانكحوا الغرائب) (1) · فإن هذا الاجتهاد يتغير إذا توصل الطب في أي زمن إلى تلافي انتقال التوارث بين سلاسل النسب وبالتالي تنتفي العلة التي بُنِيَ عليها الاجتهاد ·

ومع ذلك فإن هناك حقائق لا يمكن تغييرها مهما تطور العلم والبحث فيها؛ لأنها طبائع لا تتغير بزمن، ولا تخضع لاجتهاد فغذاء الإنسان مثلًا له أثر مباشر ومؤكد في تكوينه فمن يأكل لحوم الحيوانات المتوحشة والمفترسة سيتأثر بها ولهذا حرم الإسلام أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير · والمرأة التي تنمو في بيئة غير صالحة تظل على ... ما هي عليه فيصبح سوئها جزءًا من سلوكها وقلما يسلم من ذلك إلا من سلمه الله ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزواج بها لغلبة ما تطبعت به من سوء على سلوكها والشواهد العملية على هذا كثيرة في كل زمان ومكان ·

الفرق بين مسألة الإجهاض في حالات الوراثة وقضايا الاغتصاب:

وقد يقول قائل ما هو الفرق بين القول بإمكانية التسامح النسبي في الإجهاض بعد حدوث الاغتصاب وعدم التسامح في الإجهاض في حالات الوراثة؟

قلت: والجواب على هذا من عدة وجوه:

أولها- أن الاغتصاب حالة اعتداء وقعت دون إرادة المرأة فهي إكراه يرفع عنها الخطأ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2) · وهذا السبب لا يتوفر في حالات التوارث ·

وثانيها- يُعتبر الحمل في قضايا الاغتصاب مصدرًا لألم المرأة وسببًا لاحتمال فساد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت