ولا يخجل قادة النظام من إصدار التصريحات التي تزيد الموقف غموضًا داخل سورية وخارجها. وإذا كانت تناقضات النظام كثيرة لا حصر لها، فنختار منها موقف أسد من الحرب الإيرانية العراقية ..
فعندما اندلعت الحرب نتيجة لأطماع إيران التوسعية، سارع نظام أسد إلى تقديم الخبراء العسكريين والأسلحة إلى نظام خميني، واستغربت دول الخليج موقف سورية، و هددت بقطع المساعدات واستخدمت الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، فما زاد موقف نظام أسد إلا إصرارًا على تأييد إيران.
والذين يقيسون الأمور بمقياس سطحي، ولا ينظرون إلى أكثر من أرنبة أنوفهم، يستغربون موقف سورية ويتساءلون عن أسرار تعاونها مع إيران، فسورية تدعو إلى القومية والوحدة العربية، و هذه الدعوة تعني أن العربي الصليبي أفضل من المسلم غير العربي، وإيران فارسية وليست عربية، كما أن سورية الأسد تنادي بالاشتراكية والعلمانية، فالأديان والغيبيات إن لم تكن خرافة فهي أمور ثانوية يجب أن تبقى في معزل عن السياسة و شؤون الحكم، وفضلًا عن ذلك فالنظامان السوري والعراقي ينتسبان إلى حزب البعث العربي الاشتراكي والخلافات الشخصية بين صدام وأسد يجب أن لا تطغى على القضايا العقائدية التي تجمع بينهما كما يزعمان.
أما إيران الخميني فتدعو إلى تحرير العراق من طغيان حزب البعث، و تطرح شعار وحدة العالم الإسلامي، و تندد بالقومية العربية وتعلن حربًا شعواء على دعاة الإلحاد والعلمانية .. ومع هذا الزعم كله فلها مع نظام أسد أوثق العلاقات وأمتنها .. والأنكى من هذا كله وقوف إيران الخميني مع النظام النصيري وتأييدها له في جريمته التي اقترفها ضد المسلمين في كل مدينة وقرية من سورية، مع أن ثوار قم يرفعون شعار تحرير المحرومين والمضطهدين.
وفي منتصف عام 1982 حققت إيران انتصارات ضد العراق وراحت تهدد باحتلال بغداد والخليج وفاحت روائح المساعدات التي قدمتها إسرائيل لنظام خميني وتذكرت دول الخليج تصريحات نظام أسد التي كانت تنشرها صحف الخليج، ومنها قولهم إثر المؤامرة التي دبرتها إيران ضد البحرين: سيدافع الجيش السوري عن الخليج ضد أية جهة معتدية.
فأرسلت إحدى هذه الدول سياسيًا مخضرمًا يعرف من هم النصيريون وما هي أهدافهم وبسط الرجل مهمته أما أسد، وقال له: إن الوضع خطير جدًا ولابد من وضع حد لسوء العلاقات بين سورية والعراق. فأجابه أسد: أقولها صريحة واضحة إما رأسي أو رأس صدام. فقال السياسي: المشكلة تكمن في الخطر الإيراني الذي تدعمه إسرائيل، وأن الخليج مهدد وليست المشكلة أنت أو صدام. فقال أسد: فليعد التاريخ نفسه!! وصمت السياسي المحاور وقطع مهمته التي كان من ضمنها زيارة صدام، وقفل راجعًا إلى بلده، ثم كشف لصفوة أصدقائه ما يعنيه أسد، قال لهم: إنه يريد أن يعيد التاريخ نفسه، أي أن يعود مجد كسرى وطغيان الصفويين، والمهم أنه مع الفرس ضد العرب!!
أهذا جزاء المليارات التي مازالت دول الخليج تقدمها لنظام أسد منذ سنة 1970 والتي لولاها لانهار نظامه؟!
وكيف يجمع أصدقاء أسد والمتعاونون معه بين وقوفه مع إيران ضد الخليج، و بين تصريحه الآنف الذكر والذي يزعم فيه بأنه سيرسل جيشه ليدافع عن الخليج؟!
وأسد الذي يقف مع إيران الخميني ضد حزبه في العراق هو الذي كان يهاجم اتفاقية الجزائر، لأنها مؤامرة ضد عرب الأحواز من جهة ومن جهة أخرى كان يرى أن فيها إخلالًا بالسيادة العربية .. وفي الوقت نفسه كانت له علاقات قوية مع شاه إيران، وعقد معه اتفاقات اقتصادية وأخرى ثقافية، وكان يتدارس معه الوضع في لبنان، وما الذي يجب أن تفعله سورية هناك.