أيها المسلمون ... إن العبادة عبادة الله عز وجل لها أركان ثلاثة: وهي محبة الله تعالى ورجاؤه وخوفه، يزيد الإيمان بزيادتها في القلب والجوارح، وينقص بنقصانها، ومن علامة وجودها: الغيرة لله عند انتهاك حرماته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام لله، والأخذ على أيدي أهل البطر والسفه، وحملهم على طاعة الله تعالى وكفهم عن معاصي الله، وردعهم عن ذلك سواء كانوا أقربين أو بعيدين، أقوياء كانوا أو ضعفاء، كل بحسب حاله في ذلك على ما رتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» قوله: «من رأى» يعني علم «منكم» معشر المسلمين المكلفين القادرين، فالخطاب لجميع الأمة حاضرها بالمشافهة، وغائبها بطريق التبع، «منكرًا» أي: شيئًا نهى عنه الشرع فعلًا أو قولًا، «فليغيره» أي: فليزله وجوبًا، ثم إن علم أكثر من واحد، ففرض كفاية، إن قام بتغييره من يكفي وإلا أثم الكل، والواجب أن يزيله «بيده» حيث كان مما يزل بها، «فإن لم يستطع» الإنكار بيده بأن ظن لحوق ضرر به، فالواجب تغييره «بلسانه» أي: بالقول بوعظه وتذكيره وتخويفه بالله، وبرفعه إلى من يستطيع ذلك، «فإن لم يستطع» ذلك بلسانه لوجود مانع شرعي، «فبقلبه» ينكره وجوبًا بأن يكرهه به، ويعزم أنه لو قدر بقول أو فعل، فعل، وهذا واجب عينًا على كل أحد بخلاف الذي قبله، فأفاد الخبر وجوب تغيير المنكر بكل طريق ممكن فلا يكفي الوعظ لمن يمكنه إزالته بيده ولا القلب لمن يمكنه باللسان، «وذلك» أي: الإنكار بالقلب، «أضعف الإيمان» قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد كلام له: وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد. فأما القلب فيجب بكل حال ...