وإن مما يدخل في الترتيل الخشوع حال القراءة فقد قرأ ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ من سورة النساء على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم - حتى إذا وصل إلى قوله تعالى"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" (42) فقال: حسبك. فالتفت فإذا عيناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تذرفان بالدموع [1] ، فانظر إلى هذا الخشوع الخفي حتى أن جليسه لم يشعر ببكائه حتى نظر إليه، ولم يكن الصراخ والنحيب الذي يفعله أكثر القراء اليوم من هديه ولا من عادته صلى الله عليه وسلم.
ومن الترتيل كذلك: مراعاة الوقوف، فلا تقف إلا على تمام المعنى، ولاتصل ما يقبح المعنى بوصله، فروى مسلم برقم (870) عن عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ قال:
جاء رجلان إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قم بئس الخطيب أنت.
قال الداني ـ رحمه الله ـ: ففي هذا الخبر إيذان بكراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته، ويدل على المراد منه لأنه ـ عليه السلام ـ إنما أقام الخطيب لما قطع على ما يقبح، إذ جمع بين حال من أطاع وحال من عصى ولم يفصل بين ذلك، وإنما كان ينبغي أن يقطع على قوله: فقد رشد. ثم يستأنف ما بعد ذلك ويصل كلامه إلى آخره فيقول: ومن يعصهما فقد غوى.
وإذا كان مثل هذا مكروهًا مستبشعًا في الكلام الجاري بين المخلوقين فهو في كتاب الله عز وجل الذي هو كلام رب العالمين أشد كراهة واستبشاعًا وأحق وأولى أن يتجنب. أ. هـ [2]
وتحر الوقف على رؤوس الآي فإنه من السنة، وقد بينت ذلك أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ في وصفها لقراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قالت: كان يقطع قراءته آية آية"الحمد لله رب العالمين"ثم يقف"الرحمن الرحيم"ثم يقف. [3]
(1) متفق عليه البخاري (4582) ومسلم (800) .
(2) المكتفى ص 133. وإن كان البعض يرى أن الإنكارلأنه جمع بين الله ورسوله في ضمير واحد وهو الأرجح بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قل ومن يعص الله ورسوله. فهو أيضا يدل على مراعاة المعنى.
(3) صحيح الجامع 2/ 893.