وهاهنا قاعدة مهمة يجب التنبه لها: ألا وهي:
ما المعتبر في تحديد المخارج؟
والإجابة أن المعتبر في تحديد المخارج إنما هو الطبع السليم، فالمخارج ما حددت إلا على حسب ما يجده صاحب النطق السليم عند النطق بالحرف، كما قال أبوشامة نقلا عن الداني ــ رحمها الله تعالى ــ:
أما ترى أنك إذا نطقت بالنون والراء ساكنتين وجدت طرف اللسان عند النطق بالراء فيما هو بعد مخرج النون هذا هو الذي يجده صاحب الطبع السليم.
قال أبو شامة: وقد يمكن إخراج الراء مما هو داخل من مخرج النون أو من مخرجها، ولكن بتكلف لا على حسب إجراء الطبع السليم، والكلام في المخارج إنما هو على حسب اشتقاق الطبع لا على حسب التكلف. [1]
ولا يمكن أن يكون صاحب الطبع السليم خلط الضاد بالظاء، بل لا بد أن يكون ميز كل واحدة منهما عن الأخرى كما تميزت باقي الحروف عن بعضها.
هذا هو الصحيح، لأن السين والزاي اشتركتا في المخرج واتحدتا في جميع الصفات إلا أن السين مهموسة والزاي مجهورة، ومع ذلك تميزت كل واحدة عن الأخرى، وحق لنا أن نقول: لولا الهمس الذي في السين والجهر الذي في الزاي لكانت إحداهما عين الأخرى، وهذا لا يدل أبدًا على خلط إحداهما بالأخرى عند النطق.
ومما يستدلون به أيضا: ما فعله ابن الجزري وغيره حيث عقدوا بابًا يميزون فيه ما كانت مادته الظاء عن ما كانت مادته الضاد.
وعلة ذلك ـ والله أعلم ـ هي عموم البلوى بهذه الضاد الظائية فأراد ــ رحمه الله ـ أن يبين لهؤلاء العاجزين عن التمييز بين الحرفين والذين استسهلوا الظاء فجعلوا القرءان كله بها خصوصًا وأن الضاد في رسمها ليست ببعيدة عن الظاء ولذلك أجمعت المصاحف على كتابة (وما هو على الغيب بضنين) بالضاد الساقطة، وصحت قراءته بالضاد والظاء جميعًا مع أن من شروط صحة القراءة موافقة الرسم.
(1) إبراز المعاني شرح حرز الأماني ص 746.