قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم:"ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، وفي رواية:"ثلاث ليال"، فيه: الحث على الوصية. وقد أجمع المسلمون على الأمر بها, لكن ... مذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة. فليس في الحديث تصريح بإيجابها. لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك. قال الشافعي رحمه الله: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. ويستحب تعجيلها, وأن يكتبها في صحته, ويشهد عليه فيها, ويكتب فيها ما يحتاج إليه, فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها. قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم"ووصيته مكتوبة عنده"فمعناه: مكتوبة, وقد أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على الكتابة, بل لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها, هذا ... مذهب الجمهور. وقال البعض: يكفي الكتاب من غير إشهاد; لظاهر الحديث. والله أعلم. (1)
وقال المباركفوري: والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلا في حال من الأحوال إلا أن يبيت بهذه الحال، وهي أن يكون وصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يدركه الموت. (2)
وقال شمس الحق آبادي: واختلاف الروايات في قوله:"يبيت ليلة أو ليلتين"، وفي رواية:"ثلاث ليال"، دال على أنه للتقريب لا للتحديد. وذهب البعض إلى وجوب الوصية لظاهر الحديث والجمهور على استحبابها, لأنه عليه السلام جعلها حقا للمسلم لا عليه, ولو وجبت لكان عليه لا له وهو خلاف ما يدل عليه اللفظ. وقيل هذا في الوصية المتبرع بها, وأما الوصية بأداء الدين ورد الأمانات فواجبة عليه. (3)
ثانيا: نصها:
(1) صحيح مسلم بشرح النووي: 6/85-86.
(2) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 3/409.
(3) عون المعبود شرح سنن أبي داود: 5/278.