و هنا تجدر الإشارة و الرد على مزاعم الإخباريين حول تحريض ابن الزبير للحسين بن علي رضوان الله عنهم أجمعين على الخروج على يزيد بن معاوية. و أن ابن الزبير ضاق من وجود الحسين بمكة، و أنه كان يطمع بالخلافة، و أن يخلو له الجو كما يقولون، و أن تخلو له الساحة و الميدان.
و حقيقة الأمر أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كان من جملة الصحابة والتابعين الذين نصحوا الحسين رضي الله عنه بعدم الخروج. و قد ذكرت قبل قليل الدليل على ذلك.
فلما ذهب رضي الله عنه و كان قد أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إليهم، و تابعته طائفة، ثم قدم عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فقاموا مع ابن زياد و تخلوا عن مسلم و قتل رضي الله عنه، فلما بلغ الحسين ذلك، و أراد الرجوع وافته سرية عمر بن سعد و طلبوا منه أن يستأسر لهم، فأبى و طلب أن يردوه إلى يزيد ابن عمه، حتى يضع يده في يده، أو يرجع من حيث جاء أو يلحق بالثغور، فامتنعوا من إجابته إلى ذلك بغيًا و ظلمًا و عدوانًا، و كان من أشدهم تحريضًا عليه شمر بن ذي الجوشن حيث لحق بالحسين و وقع القتال بينهم حتى أكرم الله الحسين و عدد من أهل بيته بالشهادة رضي الله عنهم و أرضاهم. من رسالة بعنوان رأس الحسين لشيخ الإسلام (ص 200) ضمن كتاب استشهاد الحسين للإمام الطبري. و هو كتاب مملوء بالروايات الضعيفة و الموضوعة.
و لم يختلف المؤرخون بل و الناس فيما عرض لهم و عرض عليهم من مسائل التاريخ مثلما اختلفوا في مقتل الحسين رضي الله عنه، من بدايتها حتى نهايتها من الدوافع الأولية إلى الخديعة و خيانة الأعراب.
و النظرة التاريخية الفاحصة بعيدًا عن الشطط أو الإغراق أو المغالاة تجعلنا في حيرة و أي حيرة، لأن كل فريق له رأيه و له حجته فيما انتهى إليه، و علينا أن ندعو لهم و نستغفر الله لنا ولهم.
و في يقيني أن أمر النزاع بين الحسين و يزيد يجب الإمساك عن الخوض فيه، لأن هذا أفضل من الكلام في ما لا نعلم، و صفوة القول أن الحسين قد أفضى إلى ربه شهيدًا مجاهدًا، رضي الله عنه و أرضاه و ألحقنا بالصالحين في دار المقامة.
و عن هذا الصراع الدموي الأليم العنيف بين الحسين و يزيد أقول: يفصل الله بينهم يوم القيامة، فإني لا أجرؤ بما توافر لدي من آراء و أبحاث و مراجع على القول بغير هذا: عفا الله عنا و عنهم.
و عن حياة الإمام الحسين رضي الله عنه قال ابن عبد البر في الاستيعاب: قتل الحسين يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين، بموضع يقال له كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة و عليه جبة خز دكناء، و هو ابن ست و خمسين سنة، قاله نسابة قريش الزبير بن بكار، و مولده لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و فيها كانت غزوة ذات الرقاع و فيها قصرت الصلاة و تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سلمة رضي الله عنه. الاستيعاب (1/ 393) و انظر التذكرة للقرطبي (2/ 645) و نسب قريش للزبير بن بكار (ص 24) .