يزيد بأكثر مما حدث، فرسل تأتي و رسل تذهب و دعوة عريضة له بالكوفة، كل هذا يجعل الحسين يدرك أن موقفه في مكة يزداد حرجًا، و هو يمانع البيعة للخليفة دون أن يكون هناك ما يبرر موقفه بشكل واضح، ثم إن خشية الحسين من وقوع أي مجابهة بينه و بين الأمويين في مكة هو الذي جعله يفكر بالخروج من مكة سريعًا، و هو ما أكده لابن عباس، ولعل الأمر الذي جعله يسارع في الخروج إلى الكوفة هي الصورة المشرقة والمشجعة التي نقلها له ابن عمه لحال الكوفة و أنها كلها مبايعة له.
و في نظري أن مسلم بن عقيل و الحسين رضي الله عنهما لم يكونا يحيطون بكثير من أمور السياسة، فمسلم بن عقيل وثق في تلك الآلاف المبايعة للحسين و ظن أن هؤلاء سيكونون مخلصين أوفياء و لم يجعل في حسبانه أن العاطفة هي المسير لتلك الأعداد، فكان على مسلم بن عقيل أن يستثمر الوضع لصالحه وأن يعايش الواقع الفعلي حتى يخرج بتصور صحيح، وأما أن يرسل للحسين منذ الوهلة الأولى و يوهمه بأن الوضع يسير لصالحه، فهذا خطأ كبير وقع فيه مسلم بن عقيل، ثم إن الحسين رضي الله عنه وثق بكلام مسلم بن عقيل و صدق أن الكوفة ستقف معه بمجرد مجيئه إليها، و نسي أن الكوفة هي التي عانى أبوه منها أشد المعاناة من التخاذل والتقاعس و عدم الامتثال لأوامره ثم كانت النهاية باغتياله رضي الله عنه، ثم إن أخاه الحسن واجه الغدر والمكيدة من أهل الكوفة، وكان يحذره منهم حتى على فراش الموت، ثم إن الذين نصحوه يحملون حسًا سياسيًا واضحًا فالكل حذره و بين خطأه الذي سيقدم عليه، و من المستحيل أن يكون كل الناصحون على خطأ و أن فردًا واحدًا هو على الحق و بالأخص إذا عرفنا من هم الناصحون، لكنه قدر الله، و حدث ما حدث و قتل الحسين في معركة كربلاء.
أما عن صفة مقتله رضي الله عنه: قلت: ذلك الفتق الذي لا يرتق و الثلمة التي لم تسد و الصدع الذي لم يرأب، إنه جرح الأمة الإسلامية في فلذة كبدها و التي لا تزال تتألم من المرارة و الحسرة منه، إنه مقتل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في لحظة من أحرج اللحظات و أصعبها على أمة الإسلام و المسلمين.
قال الطبري (5/ 343) : إن ابن الزبير و الحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا و خرجا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابن عياش و ابن عمر جائيين من مكة فسألاهما ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية و البيعة ليزيد، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين. أما ابن عمر فقدم المدينة فأقام أيامًا فانتظر حتى جائت البيعة من البلدان فتقدم و بايع.
و عندما قرر الحسين رضي الله عنه الذهاب إلى العراق، بعد أن كثرت عليه المراسلات و هو في مكة، تدعوه بالخروج إليهم حاول بعض أصحابه منعه من ذلك، أمثال ابن عمر و ابن الزبير رضي الله عنهما.