الحنفية وأدرك الحسين قبل الخروج من مكة فحاول مرة أخرى أن يثني الحسين عن خروجه لكنه لم يستطع. انظر: ابن سعد في الطبقات (5/ 266 - 267) .
و جاء ابن عباس و نصحه فأبى إلا الخروج إلى الكوفة، فقال له ابن عباس: لولا أن يزري بي و بك، لنشبت يدي في رأسك، فقال أي الحسين: لإن أقتل بمكان كذا و كذا أحب إلي من أستحل حرمتها، يعني الكعبة، فقال ابن عباس فيما بعد: و كان ذلك الذي سلى نفسي عنه. و كان ابن عباس من أشد الناس تعظيمًا للحرم. انظر: مصنف ابن أبي شيبة (5/ 96 - 97) بإسناد صحيح، و الطبراني في المعجم الكبير (9/ 193) و قال الهيثمي في المجمع (9/ 192) و رجاله رجال الصحيح، و الذهبي في السير (2/ 292) و غيرهم الكثير.
إن حقيقة الأمر في موقف ابن الزبير رضي الله عنه مثل باقي كبار الصحابة الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج، والحجة في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن قال: لقي عبد الله بن الزبير الحسين بن علي بمكة فقال: يا أبا عبد الله بلغني أنك تريد العراق، قال: أجل، فلا تفعل، فإنهم قتلة أبيك، الطاعنين بطن أخيك، وإن أتيتهم قتلوك. المصنف (7/ 477) .
و لما علم ابن عمر بخروج الحسين أدركه على بعد ثلاث مراحل من المدينة فقال للحسين أين وجهتك؟ فقال: أريد العراق، ثم أخرج إليه كتب القوم، ثم قال: هذه بيعتهم و كتبهم، فناشده الله أن يرجع، فأبى الحسين، ثم قال ابن عمر: أحدثك بحديث ما حدثت به أحدًا قبلك: إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، و إنكم بضعة منه، فوالله لا يليها أحد من أهل بيته، ما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم، فارجع أنت تعرف غدر أهل العراق و ما كان يلقى أبوك منهم، فأبى، فاعتنقه و قال: استودعتك من قتيل. ابن سعد في الطبقات (5/ 360) و ابن حبان (9/ 58) وكشف الأستار (3/ 232 - 233) بسند رجاله ثقات. و عند غيرهم.
لكن هذه النصائح والتحذيرات لم تثن الحسين عن إرادته و عزمه على الخروج نحو الكوفة.
و هنا يبرز سؤال ملح: و هو كيف يجمع عدد من الصحابة و كبراؤهم و كبار التابعين و أصحاب العقل منهم، و من له قرابة بالحسين على رأي واحد و هو الخوف على الحسين من الخروج وأن النتيجة معروفة سلفًا، و في المقابل كيف يصر الحسين على رأيه وترك نصائح الصحابة وكبار التابعين؟
و الإجابة على هذا السؤال تكمن في سببين اثنين:-
الأول: وهو إرادة الله جل وعلا و أن ما قدره سيكون و إن أجمع الناس كلهم على رده فسينفذه الله لا راد لحكمه ولا لقضائه سبحانه وتعالى.
الثاني: و هو السبب الواقعي الذي تسبب في وجود الأمر الأول، و هو أن الحسين رضي الله عنه أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى بأن تكون له حرية التصرف والبقاء بدون حمله بالقوة على البيعة، و لن يسمح