و في المقابل فإن يزيد بن معاوية لم يكن غافلًا عن تحركات الحسين رضي الله عنه، و لهذا لما عزم الحسين على التوجه إلى الكوفة كتب يزيد إلى ابن زياد رسالة يخبره بقدوم الحسين إلى الكوفة قائلًا له: بلغني أن حسينًا سار إلى الكوفة و قد ابتلى به زمانك بين الأزمان و بلدك بين البلدان وابتليت به بين العمال .. و ضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك، و اكتب إلى في كل ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله. مجمع الزائد (9/ 193) ورجاه ثقات إلا أن الضحاك لم يدرك القصة. والطبري (5/ 380) .
و عند النظر إلى المقطع الأول من كلام يزيد فإننا نحس بأن يزيد يوجه ابن زياد إلى مكانة الحسين وعلو قدره، وإلا فما معنى (قد ابتلي به زمانك من بي الأزمان .. ) . و لم كان يزيد حريصًا على قتل الحسين لما أطراه لعامله بهذا الشكل المخيف وحذره منه، كما أنه لا يعني أن هذا التضخيم من شأن الحسين هو حمل ابن زياد على الاستعداد له بكل ما يستطيع، و ذلك لأن الحسين خرج في عدد قليل و يزيد يعرف هذا. و ليس في عبارات يزيد ما يدل على أنه طلب من ابن زياد الاجتهاد في القضاء على الحسين، بل إن الشق الثاني من رسالة يزيد تلزم ابن زياد بعدم قتل أحد إلا في حالة مقاتلة المعتدي، كما أن فيها طلبًا أكيدًا من ابن زياد بوجوب الرجوع إلى يزيد في كل حدث يحدث، و يكون المقرر الأخير فيه هو يزيد نفسه.
و بعد أن اقترب الحسين من الكوفة واجهه ابن زياد بالتدابير التي سبق ذكرها، حتى أرسل إلى الحسين عمر بن سعد قائدًا على سرية ألجأت الحسين إلى كربلاء، كان وصول الحسين إلى كربلاء هو يوم الخميس الموافق الثالث من المحرم. الطبري (5/ 409) .
و استمرت المفاوضات بين ابن زياد و بين الحسين بعد وصوله إلى كربلاء حتى قتل رضي في العاشر من المحرم. أي أن المفاوضات استمرت أسبوعًا واحدًا تقريبًا، ومن المعلوم أن المسافة التي تفصل بين دمشق و الكوفة تحتاج إلى وقت قد يصل إلى أسبوعين، أي أن ابن زياد اتخذ قراره والذي يقضي بقتل الحسين دون الرجوع إلى يزيد، أو أخذ مشورته في هذا العمل الذي أقدم عليه، و بذلك يكون قرار ابن زياد قرارًا فرديًا خاصًا به لم يشاور يزيد فيه، و هذا الذي يجعل يزيد يؤكد لعلي بن الحسين بأنه لم يكن يعلم بقتل الحسين ولم يبلغه خبره إلا بعد ما قتل.
و لعل فيما ذكرنا من أدلة تبين عدم معرفة يزيد بما أقدم عليه ابن زياد من قتل الحسين رضي الله عنه، إضافة إلى أقوال الصحابة التي ذكرناها سابقًا والتي تحمّل المسؤولية في قتل الحسين على أهل العراق، و لم نجد أحدًا من الصحابة وجه اتهامًا مباشرًا إلى يزيد، و لعل في ذلك كله دليلًا واضحًا على أن يزيد لا يتحمل من مسؤولية قتل الحسين شيئًا فيما يظهر لنا، أما الذي في الصدور فالله وليه و هو أعلم به، و لسنا مخوّلين للحكم على الناس بما في صدورهم، بل حكمنا على الناس بما يثبت لنا من ظاهرهم والله يتولى السرائر و هو عليم بكل شيء.