و لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الوصية الكبرى (ص 45) : ولم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله. و يقول في موضع آخر من منهاج السنة (4/ 472) : إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، و لكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، و الحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه و يفون له بما كتبوا له .. فلما أدركته السرية الظالمة، طلب أن يذهب إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر أو يرجع إلى بلده، فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى سيتأسر لهم، فامتنع فقاتلوه حتى قتل شهيدًا مظلومًا رضي الله عنه.
وقال الطيب النجار: و تقع تبعية قتله أي الحسين على عبيد الله بن زياد و شمر بن ذي الجوشن و عمر بن سعد، ولا يتحمل يزيد بن معاوية شيئًا من هذه التبعة، و هو بريء من تهمة التحريض على قتل الحسين. الدولة الأموية (ص 103) .
ولكن يزيد بن معاوية انتقد على عدم اتخاذ موقف واضح من ابن زياد أو من الذين شرعوا في قتل الحسين رضي الله عنه.
فهذا شيخ الإسلام يقول: و لكنه مع ذلك أي مع إظهار الحزم على الحسين ما انتصر للحسين، ولا أمر بقتل قاتله، ولا أخذ بثأره. منهاج السنة (4/ 558) .
و قال ابن كثير: .. ولكنه لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك، والله أعلم. البداية والنهاية (9/ 204) .
و كل الذي أبداه شيخ الإسلام و غيره من هذه الاعتراضات لها قدر كبير من الوجاهة والأهمية، و لكن معرفة ظروف العصر الذي حدثت فيه الحادثة، تجعلنا أكثر تعمقًا في مناقشة هذا الرأي.
فالكوفة كما هو معروف هي مركز التشيع في تلك الفترة، و هي بلدة غير مستقرة، معروفة بثوراتها و فتنها، وطوائفها وأحزابها، و عندما كان أمير الكوفة النعمان بن بشير رضي الله عنه كادت الأمور أن تنفلت من يده، فلما أسل يزيد ابن زياد أميرًا على الكوفة استطاع ابن زياد في مدة قصيرة أن يعيد الأمور إلى نصابها، وأن يكبح جماح الثورة، و سيطر سيطرة كاملة على الكوفة، وحتى بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، فإن الوضع الأمني في الكوفة ازداد خطورة، ولا أظن أن يزيد يسجد قائدًا بحزم ابن زياد وبقوته، ثم إن الشيعة لن ترضى سواء عُزل ابن زياد أم بقي، ولن تغير ما في قلوب الشيعة من حقد على الدولة نفسها.
ولو أقدم يزيد على إقالة ابن زياد فإنه سيدفع تكاليف هذه الخطوة كثيرًا، وربما سوف يتحول الوضع إلى ثورة كبرى يقودها الشيعة أنفسهم والمتأسفون لقتل الحسين كما حدث بعد ذلك بقترة وجيزة والمعروفة بحركة التوابين.
أما بالنسبة إلى تتبع قتلة الحسين رضي الله عنه، فإن هذا ليس من السهولة، فنفس الصعوبات التي اعترضت عليًا رضي الله عنه في عدم تتبعه لقتلة عثمان رضي الله عنه، و من بعده معاوية رضي الله عنه، و