قال شيخ الإسلام في المنهاج (4/ 559) : وأكرم أبناء الحسين و خيرهم بين المقام عنده و الذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة.
و عند مغادرتهم دمشق كرر يزيد الاعتذار من علي بن الحسين وقال: لعن الله ابن مرجانة، أما و الله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيتها إياه ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني بكل حاجة تكون لك. الطري (5/ 462) .
وأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفد من موالي بني سفيان، وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا و متى شاءوا، وبعث معهم محرز بن حريث الكلبي و كان من أفاضل أهل الشام. ابن سعد في الطبقات (5/ 397) بإسناد جمعي.
و خرج آل الحسين من دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة. قال ابن كثير في ذلك: وأكرم آل الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، و ردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة .. البداية والنهاية (8/ 235) .
وإن الاتهام الموجه الآن إلى يزيد بن معاوية هو أنه المتسبب الفعلي في قتل الحسين رضي الله عنه.
قلت: يزيد بن معاوية رحمه الله كما هو معروف أصبح خليفة للمسلمين، وانقاد له الناس وظل معترفًا به من غالب الصحابة والتابعين وأهل الأمصار حتى وفاته، و لقد امتنع عن بيعته اثنان من الصحابة فقط و هما: الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.
و كان الشيعة في العراق يطالبون الحسين بالقدوم عليهم، و خرج الحسين إلى العراق بعد أن كتب إليه مسلم بن عقيل بكثرة المبايعين وأن الأمور تسير لصالحه.
و لو أننا لاحظنا موقف يزيد بن معاوية من الحسين بن علي طوال هذه الفترة التي كان خلالها الحسين معلنًا الرفض التام للبيعة ليزيد، و هي الفترة التي استمرت (شهر شعبان ورمضان و شوال و ذي القعدة) لوجدنا أن يزيد لم يحاول إرسال جيش للقبض على المعارضين (الحسين وابن الزبير) بل ظل الأمر طبيعيًا وكأن يزيد لا يهمه أن يبايعا أو يرفضا. و كما يبدو، فإن يزيد حاول أن يترسم خطى والده في السياسة و يكون حليمًا حتى آخر لحظة، وأن يعمل بوصية والده، و ذلك بالرفق بالحسين ومعرفة حقه و قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و قد وجه يزيد اهتمامه نحو العراق، و بالأخص الكوفة التي بدأت مؤشرات الأحداث فيها تزداد سوءًا، و تنذر بانفتاح جبهة داخلية في الدولة.
و لهذا تدارك الأمر و عين عبيد الله بن زياد أميرًا على الكوفة، واستطاع ابن زياد بما وهب من حنكة و دهاء و حزم أن يسيطر على الكوفة و أن يقتل دعاة التشيع بها.