أعودة إلى الجاهلية الأولى؟ عندما ضعفت الدولة الإسلامية في العصور الأخيرة وفسد الحكم في ظل خلافة مريضة جاهلة ، وشعوب وانية منكوبة، وامتدت مخالب أوروبا الصليبية إلى جسم الوطن الإسلامى الكبير تنهش وتلتهم، قامت دعوات شتى تنزع إلى إصلاح ما فسد وإقامة ما تصدع، وتحاول استنقاذ المسلمين مما حاق بهم من مصائب فادحة في الداخل والخارج. ومن أعاظم الرجال الذين تفانوا في سبيل إقامة حكم إسلامى نظيف يعتمد على أمة فيها أخلاق القرآن ومناهجه، واتجاهاته، جمال الدين الأفغانى ، ومحمد عبده، وأحمد عرابى ، وحسن البنا ، وعبد الرحمن الكواكبى، وغير هؤلاء ممن نظروا إلى المسلمين على أنهم أمة واحدة، وإلى أسقامهم الموروثة على أنها علة مشتركة، وعالجوها بروح يستهدف كتاب الله وسنة رسوله مباشرة. ويبدو أن الأحوال التى واجهها أولئك الزعماء كانت أعتى عليهم مما يقدرون، أو على الأصح مما تقدر عليه الأمة المهيضة التى يجاهدون من أجلها، ومن ثم فلم يستطيعوا تحقيق ما يبتغون! بينما خلا الجو لنوع آخر من الزعماء المدنيين جعلوا أوروبا قبلتهم وظنوا أن تقليدهم في كل شىء هو طريق النهوض بشعوبهم المستضعفة، فمثلوا من حيث يعرفون أو لا يعرفون قصة الحمار حامل الإسفنج مع زميله حامل الملح، لما اعترضهما مجرى ماء. وكانت النزعة القومية الخالصة أهم ما نقلناه عن الغرب وجعلناه حجر البناء في إقامة الدولة الحديثة. وإنك لترى وتسمع زعماء تركيا و إيران ومصر والعراق والحجاز وطرابلس و... و... يخبطون في هذه الضلالة العمياء، فإذا كل دويلة مسلمة يضنيها السعى وراء استقلالها الخاص أو حماية حدودها الضيقة، ثم لا تظفر من ذلك بشىء طائل؟ ولم نستفد من بركات النزعة القومية إلا خسران الوحدة الإسلامية وتمكين ص _056