هذه مغالطات كما يتحول الخلق النفسى إلى سلوك عملى، وكما تتحول الأفكار النظرية إلى حقائق ملموسة، وكما تتحول المناهج المسطورة في الكتب إلى وقائع منقوشة في صفحات الحياة المتحركة، يتحول الدين إلى دولة. مسألة نحسبها من البداهة بحيث يعتبر السؤال عنها عبثا. ومن ثم فنحن نعتبر من المغالطات المكشوفة تساؤل الأستاذ خالد في كتابه"ما حاجة الدين إلى أن يكون دولة؟ هل الدين أدنى مرتبة من الدولة حتى يتحول إليها ويندمج فيها؟". هذا تساؤل عجيب! من قال: إن تحول الفكرة إلى عمل يسئ إلى الفكرة؟ إن الفكرة لا ينال منها إلا أن تظل أمدا طويلا حلما يتردد في نفوس المصلحين. أما أن تواتيها أسباب التنفيذ فتعرض نفسها نظاما حيا ودولة نافعة ناهضة فأى عيب في ذلك؟! هذه مغالطة لا ريب فيها. ومن التساؤل المنطوى على هذه المغالطات قوله"كيف يمكن للدين أن يكون دولة وهو عبارة عن حقائق خالدة لا تتغير، بينما الدولة نظم تخضع لعوامل الترقى المستمر والتبدل الدائم؟". ألأن الدين حقائق خالدة ينبغي أن تعطل أحكامه في حياة متجددة؟!. إن الصدق والشرف والوفاء وسائر الفضائل يجب إقصاؤها إذن عن الحكم، لأنها أخلاق ثابتة الحقيقة ونظام الدولة متغير أبدا..! وبهذا المنطق نقصى الدولة عن الأخلاق كما أقصيناها عن الدين. صحيح أن الحياة الإنسانية كلها، لا نظم الدولة وحدها، قد مشت فيها سنة النشوء والارتقاء، بيد أن هناك أصولا لا إنسانية عريقة بدأت من الأزل إلى الأبد تقرر صلة الإنسان بالإنسان، وترسم الأهداف العليا للبشر رسما لا يتأثر بما يعرو صور الحياة من تجدد وتطور... ص _049