إن وظيفة الحكم في الإسلام ليست إدارية فقط ولا قضائية فقط، بل هى إدارية قضائية عبادية، تضم النواحى جميعا في عروة لا تنفصم. فالخليفة في نظر الإسلام إمام للصلوات كما هو فيصل في الخصومات. وإذا كانت تقاليد القضاء الآن تجعل القاضى يصدر الأحكام بصفته نائبا عن رئيس الدولة فإن الإمام في مسجده كان ينبغى أن يؤم الناس بوصفه كذلك نائبا عن رئيس الدولة!. والنصوص الفقهية الباقية الآن في أيدينا تكشف عن ازدواج السلطتين الروحية والزمنية في شخصية الحاكم، فهو القائد الأعلى وهو القاضى الأعلى وهو الإمام الأعلى... ولولا غلبة الاستعمار الثقافى وسيطرة الدول المسيحية على الشرق الإسلامى ما انفصلت ناحية العبادات عن أختيها، ولما عرا الناحيتين الأخيرتين من المسخ والتشويه ما تم على حساب التشريع الإسلامى للأسف الشديد. إن هذا الكلام واضح. فقول الشيخ خالد"إن الهداية إلى الفضيلة عن طريق الترويض هى رسالة الدين". أى أنه لا ضرورة لقيام دولة! يكفى أن يتطوع بعض الناس بهذه الهداية لو شاءوا. ثم قوله"ألم تأت يوما إلى طريق ممتد فرأيت مع بدايته علامات ترشدك إلى متجهه ؟ وهل هو ممهد للسير أم به ما لا يمكن من عبوره؟ إن تعاليم الدين كذلك". أى أنها كالعلامات الحمر والخضر التى تنظم المرور في الطريق، فليس من شأن الدين إلا مجرد الإرشاد الآلى وليس له اتصال بالحكم... هذا الكلام بالنسبة إلى الإسلام تخليط وشرود. فللدولة في الإسلام وظيفة تستنفد الليل والنهار قبلما تنتهى من أعبائها، ووظيفة السهر في الداخل والخارج على حراسة العقيدة، والإعلان عنها، والتبشير بها، وتحقيق أنظمتها وإنفاذ أحكامها، والإشراف العام على شئون أتباعها، وتكوين الأجيال الجديدة من بنيها وبناتها، وتسخير الأعمال المدنية لخدمتها... أما أن الدين كعلامات المرور فلا حاجة به إلى الحكم، فكلام يفنده الواقع، فلو أن علامات المرور لم تساندها قوة تنفيذية لما أبه لها