ولعلهم لم يشعروا بعد بأن السادة الذين يقلدونهم قد غيروا آراءهم فيتغيروا كذلك معهم. ولقد روى البخارى ومسلم: أن نفرا من الإنس كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم النفر من الجن واستمسك الآخرون بعبادتهم، فنزل قول الله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه …) ولنفرض أن أوروبا أصرت على فصل الدين عن الدولة لأن تعاليم المسيحية لا تأبى ذلك، فمن الذي قال إن المسيحية في ذلك كالإسلام! وأن القرآن كالإنجيل؟! إن مقارنة النصوص والدلائل هى الفيصل الحاكم على طبيعة كلتا الديانتين وهى ميسورة لكل ذى تفكير... وثم حقيقة تاريخية أخرى تفرق بين الحكم الدينى في الإسلام، وبين الحكم الدينى في المسيحية... فليست لحاكم ما في الإسلام قداسة ولا صفة إلهية خاصة. فالخلفاء الذين أخطأوا في أحكامهم وجدوا من الرعية من يقوم باسم الله ورسوله وبدافع من الإسلام وحده، لينقد تصرفاتهم ويكشف أخطاءهم وخطيئاتهم. فإذا أسقطهم أقام حكما دينيا آخر، هو في رأيه أقرب إلى الحق. وأعان على ذلك أن كل شخص في الإسلام رجل للدين، وليس الدين احتكارا على طائفة دون أخرى. أما المسيحية فعلى العكس، تجد للدين رجالا موقوفين عليه، لهم مراسيم وحقوق خاصة والدين ألصق بهم من غيرهم. والحكومات التى أقامها هؤلاء الرجال كانت تتمتع بلون فريد من القداسة والترفع. وكانت الشعوب تنظر إلى أعمالهم كأنها اتجاهات الدين نفسه، وكأن صلة الشعوب بالدين لا تتم إلا عن طريق هؤلاء الرجال!. فلما ضاق الناس ذرعا بتصرفات آباء الكنيسة انفجروا ضد الدين ورجاله جميعا، فهوى بهم وهووا به ! شتان بين الإسلام والمسيحية في هذا المضمار من ناحية البحث العلمى والواقع التاريخى على السواء . ص _043