الحدود وضرورة إقامتهما ويبدو أن خالدا لم تعجبه طريقة تنفيذ الحدود في الحكومات المنعوتة بأنها إسلامية فوقع في الخطأ السابق نفسه إذ حمل على الحدود، بدل الحملة على الملابسات والأوضاع الاقتصادية السائدة هناك. والحملة على الحدود التى شرعها الإسلام لا مساغ لها ولا أساس. والقول بأنها موقوفة التنفيذ، أو أنها للإيهام المجرد، أو أن الرسول عطلها يوم شرعت قول يجانب الصواب. إن الأوامر بإقامة الحدود صريحة في الكتاب والسنة. وقد قام النبى عليه الصلاة والسلام بتنفيذها جميعا في أحوال كثيرة، ورفض فيها الشفعاء من أعز أحبابه، واكتفى أحيانا بالقرائن الحاسمة، ولم ينتظر توافر الشهود، مما جعل الفقهاء يأخذون بالقرينة في موضع الشهادة ويقيم الحد بها. وصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام راجع بعض الناس عندما اعترفوا على أنفسهم بالجريمة بيد أن لذلك تفسيره الذى يظهر سره ويكشف حكمته، وهو إن دل على شىء فعلى سمو الدين وعظمته. إن الغرض الأول من إقامة الحدود محاربة الجريمة، وتعقب الزناة والسفلة واللصوص. ولا شك أن بعض المؤمنين قد يلم بسيئة مما حرم الله فيضيق لذلك صدره وتسود الحياة في ناظريه، ويهرع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يبغى أن يطهر نفسه بالموت أو بما يشبه الموت. فهل هؤلاء المساكين الذين زلت أقدامهم من حيث لم يحتسبوا، يصح اعتبارهم مجرمين خطرين، فنسارع إلى التنكيل بهم متى وقعوا في أيدينا؟ إن رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس وكيل نيابة مهمته حصار المتهم بين المواد التى تهلكه، ولكنه قبل ذلك مرب كريم ومعز رحيم وهو القائل:"أقيلوا ذوى المروءات عثراتهم، فوالله إن أحدهم ليعثر ويده بيد الرحمن". ص _026