هل توجد الآن حكومات إسلامية؟ وقد يظن أن الحكم الدينى أعطانا معالم واضحة عن أهدافه وعن أساليبه فيما نرى ونسمع في بعض الأماكن على وجه المعمورة. وعلة هذا الظن أن تلك الأقطار وحدها هى التى تقطع يد السارق، وتجلد الزانى، وتقيم حدود الله، أى أنها هى الحكومات المسلمة التى بقيت مصرة على تنفيذ هذه الأحكام في عصر قد جحدها ونفر منها نفورا شديدا. ونحن لا نمارى في أن الحدود من الإسلام، ولكننا نستغرب أن تحسب الإسلام كله.!! ونحن نريد أن تقام الحدود لتحفظ الحقوق، ويوطد الأمن، وتحرس الفضائل.. لا أن تقام الحدود لتقطع يد لص صغير سرق دريهمات ، ثم يدرأ الحد، بل لا يفكر في إقامته أبدا على لص القناطير المقنطرة من خزائن الدولة، ومن موارد الشعب! وبعض الأقطار الإسلامية تعد من أفقر بلاد الله إذا نظرنا إلى معيشة سكانها.. وأخرى تعانى من تخلف شديد في جل جوانب الحياة.. وأخرى تمتلأ بالكنّازين وأصحاب يد طولى وضمائر جانحة.. إن كثيرا من بلاد الكفر أعدل حكما، وأرقى ضميرا، وأرفع مستوى من هذه البلاد! فكيف يظن أن ما بها من فوضى وجور واعتساف صورة لحكم إسلامى ؟ وما هو إلا مجتمع تعس من السادة والعبيد؟! لقد قلنا إن التشريعات الجنائية والمالية ليست إلا فروعا من الدستور الذى يجب أن يقرر أولا وتحدد فيه حقوق الحاكم والمحكوم. فإذا فقد هذا الأصل فأى غناء للفرع بعد فقدانه؟ وبعض البلاد الإسلامية ليس فيها دستور إلا سلطان الفرد المطلق. ص _023