هذه بعض صور المكائد الشيطانية التي قد تغفل عنها , ولست فيما ذكرت حاصرًا أو قاصرًًا على صور معينة , ولست أيضًا متهمًا لأحد بشخصه , بل هي ذكرى لي ولكل أخ مسلم عزيز يبتغي الذكرى.
الثاني والعشرون: احذر الداء القاتل.
إنه داء العجب الذي قد يطرأ على الإنسان فلا يرى إلا أن له فضلًا وتميزًا على الناس , ومن ثم يقوده ذلك إلى الغرور والكبر واحتقار الناس .. ويرى أن عنده من جوانب الفضل ما ليس عند غيره وفاق الأنام وأتى بما لم يأت به الآخرون.
جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله , فسأله عن شيء فقال الرجل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا فغضب الإمام أحمد وقال له: من أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيرًا؟ بل جزى الله الإسلام عني خيرًا.
وما أجمل قول ضيغم بن مالك عندما قال: احذر نفسك على نفسك , وكلما أرادت نفسك التعالي فذكرها بقول ربك سبحانه: (( واعلوا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) ).
ونظر مطرف بن الشخير إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال يا أبا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني. قال: بلى أعرفك , أولك نطفة مذرة , وآخرك جيفة قذرة, وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة , ونظم بعضهم ذلك فقال:
عجبت من معجب بصورته
وكان بالأمس نطفة مذرة
وفي غد بعد حسن صورته
يصير في اللحد جيفة قذرة
وهو على تيهه ونخوته
ما بين ثوبيه يحمل العذرة
وإذا كان الله قد حباك أيها الإمام نعمة الصوت الحسن , فاشكر الله عليها بالتواضع واستشعار مشاهد التقصير منك , وإلا فقد يسلبك الله هذه النعمة في طرفة عين , أو قد يديم عليك هذه النعمة حتى تفتن وتستدرج ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أحسن من تحدث عن هذا الداء ابن حزم رحمه الله في كتابه الرائق الماتع الأخلاق والسير , ومما قال في هذا الباب:
- (( من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصا وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تمييزا وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ولا عيب أشد من هذين لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض ) ).
وقال أيضًا:
- (( فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها ) ).
وقال أيضًا:
- (( وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه فو الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك فليطل همك حينئذ وأبدل من العجب تنقصا لنفسك ) ).
الثالث والعشرون: دهماء الناس .. وفتنة القراء.
يسيء الدهماء كثيرًا إلى متبوعيهم , حيث يفتقدون الحصافة وحسن النظر وتقدير الأمور على وجهها الصحيح , وأسوأ منه مجاراة المتبوعين لهم بالتصديق والقبول مما ينسحب سلبًا على الجانبين , سيما إذا كانوا كثرة كاثرة تعيش على التمادح وكثرة الثناء على متبوعيهم , وهنا يكون الأمر كما قال بعض السلف (( فتنة للمتبوع و ذلة للتابع ) ).
ومن النقص الكبير وضعف العقل إخلاد المرء إلى مدائح الناس وعشق أذنه لذلك ,
قال ابن حزم رحمه الله: (( وليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ) )الأخلاق والسير ص 70
وقال أيضًا: (( وإن أعجبت بمدح إخوانك لك , ففكر في ذم أعدائك إياك .. فإن استحقرت عيوبك , ففكر فيها لو ظهرت على الناس وتمثل اطلاعهم عليها , فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مُسكة من تمييز ) )
الأخلاق والسير ص70
والمنهج الشرعي في هذا الباب , سد باب المدح والتمادح لما في ذلك من فتنة للمدوح.
روى الإمام البخاري في صحيحه"باب ما يكره من التمادح", من طريق شعبة عن خالد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه و سلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه و سلم (ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك والله حسيبه ولا يزكي على الله أحدا) .
و روى الإمام مسلم في صحيحه"باب النهي عن المدح إذا كان فيه"من طريق شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا - فَجَعَلَ يَحْثُو فِى وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِى وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» .