فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 9

إلا أن ذلك مما ينبغي إسراره وكتمه إذا كان ذلك في قراءة الإنسان بالناس , إلا أن يغلب على ذلك فهو معذور لأنه ليس بملكه.

قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: عندما سئل عمن يبكي من الأئمة بكاء شديدا.

(( أما الشيء الذي يأتي بغير تكلف ويكون بكاء برفق لا بشهاقٍ كبير هذا لا بأس به وأما المتكلف هذا أخشى أن يكون من الرياء الذي يعاقب عليه فاعله ولا يثاب عليه ) ).

وقد ضرب السلف أروع الأمثلة في إخفاء الأعمال الصالحة والعبرات والبكاء:

-قال الحسن البصري رحمه اللهٍ: (( إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام ) )الزهد للإمام أحمد ص450

وقال أيضًا: (( إن كان الرجل قد جمع القرآن وما يشعر به جاره , وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس , وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوّر - الضيوف - وما يشعرون به ) ).

- (( وكان أبو وائل شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله ) )الحلية 4\ 101

-وقال محمد بن واسع (( إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به ) )الحلية 2\ 347

-وجاء أن أيوب السختياني غلبه البكاء فقال (( الشيخ الكبير إذا كبر مج وغلبه فوه فوضع يده على فيه وقال الزكمة ربما عرضت ) )الحلية 3\ 6

-وفي الزهد للإمام أحمد كان عبد الرحمن بن أبي يعلى يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشه.

-وفي صفة الصفوة 4\ 141 والسير 8\ 386 أن عبد الله بن المبارك كان يضع اللثام على وجهه عند القتال في سبيل الله.

قال الإمام أحمد: (( ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئة كانت له ) ).

السابع عشر: احذر الرياء!

وذلك أن إمامة الناس وتحسين الصوت بالقرآن والدعاء مظنة إغواء الشيطان للإنسان بالرياء إلا من عصمه الله بالمجاهدة ودوام متابعة القلب ..

وأهل العلم كثيرًا ما يذكرون أن عبادات السر والخفاء طريق إلى الإخلاص

أما العبادات التي يطلع عليها الناس فهي مظنة تطرق الرياء إلا من عصمه الله وخشي يوم الحساب وخاف مقام ربه يوم القيامة .. ولهذا خص النبي صلى الله عليه وسلم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة _ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة _ ثلاثة وهم المجاهد , وقارئ القرآن , والمنفق , إذا عمل أحدهم العمل رياء وسمعة، والقاسم المشترك بينهم أن أعمالهم علنية تشتهر بين الناس وربما توارد إليها الرياء.

من هؤلاء الثلاثة رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأُتي به فعَّرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت، قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أُمر به فسحب على وجهه فألقي في النار.

وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الرياء شركًا أخطر من المسيح الدجال،

وذلك فيما رواه ابن ماجه:

عن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ) ).

والرياء سبب لحبوط العمل.

قال تعالى: (( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) )

فانتبه أيها الإمام لا تغتر بثناء الناس ومدحهم , ولا تحسن الصوت لأجلهم , ولا تسعى لكثرتهم وتكثيرهم , فإنهم لن ينفعوك شيئًا إذا وقفت بين يدي الله تعالى , واعلم أن الناس كلما تكاثروا عليك كان أقرب للفتنة , وكلما تقالوا فهو بإذن الله أبعد و أسلم للعمل , وأدعى للإخلاص وأقرب للتقوى.

ما الضابط في معرفة الإخلاص في هذا الباب؟

الذي يظهر والله أعلم أن الإخلاص في ذلك , أن يستوي عند الإنسان كثرة الناس وقلتهم , ومدحهم وذمهم ,وأن يبتغي بصلاته وقراءته رضى الله لا رغبة الناس ,وهذا مطلب عزيز، ودرجة عالية لا تنال بالهوينا , وإنما بالمجاهدة الطويلة وإرغام النفس وهضمها والإزراء بها ومشاهدة القصور والتقصير ودوام استشعار النقص.

الثامن عشر: احذر الاعتداء في الدعاء!

والاعتداء في الدعاء له صور كثيرة فصلها أهل العلم من ذلك:

-الصورة الأولى: السجع المتكلف والمبالغة في ذلك فإن هذا من الممنوع شرعًا قال ابن عباس كما في صحيح البخاري في وصيته لمولاه عكرمة (( فانظر إلى السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك ) )أي الاجتناب.

-الصورة الثانية: من صور الاعتداء في الدعاء رفع الصوت بالدعاء رفعًا زائدًا عن الحاجة لأن المشروع رفع الصوت بمقدار ما يسمع من خلفه فإذا زاد عن ذلك فهو من الاعتداء قال الله تعالى: (( ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) ).

وقد استنبط شيخ الإسلام وغيره من هذه الآية أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء لأن الله أمر بإخفائه وخفضه ثم قال (( إنه لا يحب المعتدين ) )فكأن من لم يخفض صوته بذلك يُعد معتديًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت