الصفحة 5 من 10

وللأسف الشديد، سقطت الحركة الإسلامية في هذا الفخ، وشربت المقلب، فصارت هي نفسها تردد نغمة الديمقراطية، بل تطالب بشيء من الفتات الذي لا يغير شيئا، وبدل أن تقود هذه الحركات شعوبها لتغيير هذه الأنظمة، أصبحت جزءا منها، وبعد أن كانت قضيتها الأولى تطبيق الشعيرة الإسلامية أصبحت قضيتها منحصرة في إصلاح بعض الفساد الذي لحق المجتمع، مع غض الطرف عن الإنحراف الذي لحق الأمة في توحيدها لربها.

فإقامة مواسم الشرك عند القبور والأضرحة واتخاذ الحكام أربابا من دون الله، يحلون ويحرمون، ويشرعون دون الله تعالى، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ قضايا لا تستحق الطرح ولا الاحتجاج ولا المطالبة بالتغيير، وتفرغ الجهود في مسائل فرعية، كتوقيف البرلمان عشر دقائق من أجل صلاة العصر، والاحتجاج على مصورة متبرجة تصور جلسات البرلمان، بل بعد أن كانت هذه الحركات تحارب الأحزاب الإشتراكية والليبرالية والعلمانية، أصبحت تقبل اللعب إلى جوارها، بل ومواددتها وملاطفتها، بل والتحالف معها.

وهكذا صلينا على الحركة التي خرج من بين أضلعها حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومروان حديد وعبد الله عزام ومحمد قطب [1] ... صلاة الجنازة.

خاصة مع تبني هذه الحركات لإسلام متميع، يبيح اختلاط الرجال بالنساء، وسماع المعازف، والغناء وحلق اللحي، وعدم الالتزام بالهدي الظاهر، ولبس حجاب أبعد ما يكون عن الحجاب الشرعي، ومشاركة المرأة طبيبة ومهندسة وعاملة، بل وبرلمانية ووزيرة.

وهذا النموذج هو الذي يريده الغرب، فبدل أن يكون الحامل لهم الإسلام موجها فوهة مدفعه إلى صدور اليهود والصليبيين، نجده موظفا حكوميا، يلبس بذلة أنيقة، وربطة عنق إنجليزية، وعطرا باريسيا، وحذاءا إيطاليا ملمعا، ويجلس خلف مكتب أنيق بكرسي متحرك، وملفات على يمين مكتبه وشماله، ويأخذ راتبا شهريا مغريا، ومكافئات وعلاوات، ويشارك في المؤتمرات والندوات، وينزل بأفخم الفنادق والإقامات، ويجيد تنميق الكلام وتزويره؛ متحدثا عن مقاصد الشريعة، وجلب المصالح ودرء المفاسد، يردد كالإمعة ما نقله غيره عن الشاطبي وابن عاشور، وما كتبه علال الفاسي والريسوني، فما أجمل هذا الإسلام"المعتدل"! فلو بقي المسلمون على هذا المنهج، فلتقر عين أمريكا، ولتزدد اطمئنانا وأمنا.

ولكن مهما تخاذل المتخاذلون، وفرط المفرطون، فلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من يخذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، فرغم هذه الوسائل الخبيثة التي انتهجها الغرب لتدجين الحركات الإسلامية.

(1) يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله عن أخيه محمد: (أن علمي المؤكد عنه؛ أنه لم ينضم في حياته إلى تنظيم أو هيئة أو حزب أو جماعة) ! [عن: لماذا أعدموني/لسيد قطب] [المنبر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت