وسخروهم لتحريف الدين وتزييفه، وعملوا على تلميع صورتهم لدى الناس، ولم يكتفوا بتسخير الكتاب والأدباء، بل استعملوا حتى المشايخ، ومن يعدهم الناس أئمة في الدين، كالأفغاني ومحمد عبده وغيرهما ممن حاولوا أن يأسلموا المناهج العلمانية، والأنظمة المستوردة.
وقد نجح الصليبيون في خطتهم هذه، فتاهت الأمة، وضيعت دينها، وتبايعت بالعينة، ورضيت بالزرع، وأخذت بأذناب البقر، وتركت الجهاد، فسلط الله عليها ذلا، وأذاقها هوانا.
وهذه الحال التي صار عليها المسلمون، هي ما كان يهدف إليه الصليبيون، فقرت عيونهم، وباتوا ليلهم مطمئنين آمنين.
لكن غفلوا عن كون هذه الأمة ولود لا يصيبها العقم أبدا، ولا يعجز نساؤها أن يلدن من يعيد الأمة إلى دينها، ويعود بها إلى سالف مجدها، فيسر الله تعالى حركة الإخوان المسلمين - على أخطائها وزلاتها - لتبصر الناس ببعدهم عن دينهم، وتبين لهم مكائد أعدائهم، ومكر خصومهم، وبذلت الحركة من دماء أبنائها وأموالها الشيء الكثير، وبرزت منها أسماء عظيمة صارت مثلا تحتدي به الأمة وتقتدي به، وخرج من رحمها جماعات كثيرة ومتنوعة، تدعوا جميعا للعودة إلى الإسلام والرجوع إلى الدين، على اختلاف مناهجها وسبلها في ذلك.
فعمت الصحوة بلاد المسلمين، وعاد الناس يبحثون عن جدورهم، والتعلق بمنابعهم، فأعفيت اللحى، ولبس الحجاب، وملئت المساجد، وتبصر الناس، ووعوا واقعهم.
وهذا كله لا يرضاه الصليبيون ولا يقبلونه، لأنه يقض مضاجعهم، ويزعزع عروشهم، فأوحوا إلى عملائهم، أن يبذلوا كل الجهد من أجل إيقاف هذا الزحف، ولم يتوان هؤلاء عن تنفيذ ما أمروا به، فقتلوا وذبحوا، وسجنوا وأسروا، وانتهكوا واغتصبوا، وحكموا بالحديد والنار، وضيقوا على دعاة الإسلام، وألصقوا بهم التهم الباطلة، ظنا منهم أن نهاية الدعوة ستكون بنهاية دعاتها.
لكن هذه الوحشية ما كانت لتزيد بعض الناس إلا ثباتا، وهذا التضييق جعل الله فيه خيرا، فقد تأثر الناس بهذه الدعوة، وعرف الناس ظلم هذه الأنظمة واستبدادها، وتجويعها لشعوبها، ووجدت ملاذها في الإسلام، فاشتد عود الصحوة الإسلامية، واكتسحت الشارع، وهددت ثبات هذه الأنظمة، فكان لا بد للصليبيين من التدخل مرة أخرى، ليمدوا عملاءهم بجرعات مقوية، بعدما أوشكوا على السقوط.
وقد سلكت في ذلك مسلكين: