حدثني يوسف بن عدي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال سعيد: جاء رجل فقال: يا ابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي فقد وقع ذلك في صدري. فقال ابن عباس: أتكذيب ؟ فقال: ما تكذيب ولكن اختلاف. قال فهلم ما وقع في نفسك. قال له الرجل: أسمع الله عز وجل يقول"فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون"وقال في آية أخرى"وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون"وقال في آية أخرى"ولا يكتمون اللّه حديثًا"، وقال في آية أخرى"واللّه ربِّنا ما كنا مشركين"فقد كتموا في هذه الآية، وفي قوله"أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها"فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض، ثم قال في هذه الآية الأخرى"أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين"وقال"وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين"إلى آخر الآية قوله"طائعين"فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء. وقوله"وكان اللّه غفورًا رحيمًا""وكان اللّه عزيزًا حكيمًا""وكان اللّه سميعًا بصيرًا"فكأنه كان ثم مضى ؟ قال ابن عباس: هات ما وقع في نفسك من هذا. قال السائل: إذا أنت أنبأتني بهذا فحسبي. قال ابن عباس: قوله"فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون"فهذا في النفخة الأولى"ونفخ في الصور فصُعِق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه"فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله عز وجل"ربنا ما كنا مشركين"وقوله عز وجل"ولا يكتمون اللّه حديثًا"فإن الله عز وجل يغفر يوم القيامة لأهل الاخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر الشرك، فلما رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا نقول إنما كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله عز وجل إذا كتمتم الشرك فأختموا على أفواههم وتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. فعند ذلك عرف المشركون أن الله عز وجل لا يكتم حديثًا فعند قوله عز وجل"يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تشوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثًا"وأما قوله"السماءُ بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها"فإنه خلق الأرض في يومين قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم نزل إلى الأرض فدحاها، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشق فيها الأنهار وجعل السبل، وخلق الجبال والرمال والأكوام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله"والأرض بعد ذلك دحاها"وقوله"أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربُّ العالمين. جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءًا للسائلين"فجعل الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وجعلت السموات في يومين. وأما قوله"وكان اللّه غفورًا رحيمًا""وكان اللّه عزيزًا حكيمًا""وكان اللّه سميعًا بصيرًا"فإن الله عز وجل جعل نفسه ذلك، سمى نفسه ذلك، ولم يجعله غيره، فذلك قوله"وكان اللّه"أي لم يزل كذلك. قال ابن عباس للرجل: احفظ عني ما حدثتك واعلم أن ما أختلف عليك في القرآن أشباه ما حدثتك، وأن الله عز وجل لم يترك شيئًا إلا أصاب الذي أراد به، ولكن الناس لا يعلمون فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلًا من عند الله عز وجل.