ولا تقفنَّ على باب قوم ردوك عن بابهم فإن للناس حاجات ولهم أشغال والله أولى بالعذر [1] ؛ ولهذا قال تعالى في نهاية الآية: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ } أي: الاستئذان والتسليم { خَيْرٌ لَكُمْ } من تحية الجاهلية والدمور وهو الدخول بغير إذن, فكان الرجل في الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول: حُييتم صباحًا وحييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد, وقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي: قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان [2] .
فإذا قال أهل المنزل للمستأذن: ارجع وجب عليه الرجوع لقوله تعالى: { وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } [النور: 28] وكان بعض أهل العلم يتمنى إذا استأذن على بعض أصدقائه أن يقولوا له: ارجع ليرجع فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله تعالى: { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } لأن ما قاله الله إنه أزكى لنا, لا شك أن لنا فيه خيرًا وأجرًا والعلم عند الله تعالى [3] .
إن من الخير لك ولصاحبك -أيها الطارق- أن يعتذر عن استقبالك بدلًا من الإذن على كراهية ومضض، ولو أخذ الناس أنفسهم بهذا الأدب، وتعاملوا بهذا الوضوح؛ لاجتنبوا كثيرًا من سوء الظن في أنفسهم وإخوانهم.
فإذا استأذن الإنسان على شخص, فأذن له بالدخول أو علم يقينًا أن صاحب المنزل مستعد لدخوله بأن واعده بعد صلاة الظهر مثلًا ووجد الباب مفتوحًا, فهو إذن له بالدخول؛ فلا فرق في الإِذن بين أن يكون سابقًا أو لاحقًا والأولى أن يسلم المستأذن عند الدخول ليحصل على أجر السلام وثوابه والدعاء من أخيه عندما يرد عليه سلامه [4] .
(1) تفسير ابن كثير.
(2) تفسير النسفي للآية من سورة النور.
(3) أضواء البيان 6.
(4) شرح الشيخ ابن عثيمين على رياض الصالحين، باب الاستئذان وآدابه.