أي بُني:
حسنٌ أن يذكِّر العبد نفسه الموت، وأن يكثر من ذكره
في نفسه، لكن خيرٌ من ذلك أن يتعلَّم العلم الذي إذا انتهى أجله، يكون قد انتهى إليه، وهو على حيطةٍ يعرف بها حقَّ الموت عليه، إذ الموت لحظة سريعة، لا يطول وقوف المرءِ عندها، وهو في حاجةٍ دائمةٍ ما دام حيًَّا أن يعرف حقَّ الحياة عليه، وأنها رحلةٌ يجب أن يدأب فيها على الاستعداد لتلك اللحظة السريعة الخاطفة، وهي التي يجتمع فيها أمر الإنسان كلُّه، فيرى منها مكانه، فأحسن لنفسك أي بُني، أن تكون عارفًا قدر نفسك، ثم أن تحيط علمًا بما تحسن فتأتيه من قبل أن يفوتك، وما لا تحسن فتصرفه عنك بودع أسبابه واجتنابها.
أي بُني:
اعلم أن أهل القرآن هم أهل صُفَّة الرحمن، ينَعِّمهم الله فيها بالنظر إليهم غدوًَّا وعشيًَّا وحين يظهرون، فمن نازعهم فيها ليخرجهم منها، سلَّط الله عليه من لا يتَقيه فيه فيرديه، وما زال الناس في خيرٍ ما قدَّموا أهل القرآن، فلما أخَّروهم أخَّرهم الله ، وأحلَّهم دار الهوان، فهل لهم أن ينجوا أنفسهم بكرامة أهل القرآن؟! فأهل القرآن هم أهل كرامة الرحمن.
أي بُني:
اعلم: أن الناس لا ينتقصون بالموت، بل بانتقاصهم في دينهم، والانتقاص في الدين لا يكون حين يأتي عليه كلِّه، بل يكون حين يبدأُ، والعاقل من يدَّاركُ دينه من قبل أن يكون انتقاص، فالله قد حفظ لنا الدين، فلا يكون منَّأ حيف عليه على غير ما أراد الله له سبحانه له، وانتقاص الدين كالدَّاءِ، يبدأُ قليلًا، ثم يتكاثر بإهماله، حتى يغرق من يصيبه، فيرى المنكر معروفًا، وغير مستنكر ولا مستبشع، ثم لينظر الأول ما كان من أمره بصبره على الانتقاص، وتركه يغدو ويروح فيه، من ظنٍّ حسن في نفسه، أنَّه لا يؤْذي غيره بانتقاصه الدين وصبره عليه، وغاب عنه أنَّ الشر لا يستطير إلا من البداية.
أي بُني: