الصفحة 10 من 16

واعلم يا رعاك الله إن من خير الناس في كلِّ زمان من وفاك بإحسانك إليه إحسانًا من وفاءِ الكلب، ومن ذاق عرف، ومن جرَّب علم.

واعلم يا رعاك الله أن أسوأ الناس من شاع ذكرهم في الناس مقرونًا بما قيل فيهم:"تَمَسْكَنَ حتى تَمَكَّن"وأحسنهم من إذا أعجزه معروفك عن ردِّ ولو بعضًا منه، أحزنه ذلك فجاءَك معتذرًا قائلًا: فضلك عليَّ لا ينسى في الدنيا إلا بالموت، أما عند الله فهو مذخور في سجلٍ لا يبلى ولا يحور.

أي بُني:

الولد إما عار شنار لا تحرقه النار، وإما فخر مكسوٌّ بياضًا يسعى عزيزًا كريمًا في ظلام الليل ووضح النَّهار.

والمرأة إن كانت عصيَّة على الرجال أطمعتهم فيها بشرفٍ وعزٍّ نوال، وإن كانت سهلةً عليهم، أجاءَها إليهم رخيصُ النَّوال، والأمُّ الصالحة تبني القلاع والحصون، وتعلي صروح العلم والمعرفة، وتشق الأنهر في الصخور القاسية القوية، وتزرع الأرض بالزروع والثمار الشهية، وتمسك بحبال النُّجوم والكواكب القصيَّة، وتسقي الجدب بندى الحبِّ، وهي لابثةٌ في كسر بيتها راضية مرضيَّة، وتستمطر السماءَ وهي جاثية على ركبتيها تناغي طفلها في جنح الليل والظلمة الخفيَّة.

أي بُني:

خلِّ ما بينك وبين اللهب التقوى، وخلِّ ما بينك وبين العباد بالحذر، وإن عراكَ فيهم رجاءٌ، فلا تعجل إليهم بحسن الظنِّ واستبطن قلوبهم بالتوكُّل على الله ، أما ظاهرهم فخذ منه اليسير اليسير، وإياكَ إياكَ والإغراق في الإحسان إليهم بحسن الظنِّ فيهم، فلعلك تفجع يومًا في واحدٍ أكثرت من الإحسان إليه، فيزهدك في الإحسان إلى من يستحق منك الإحسان، حتى ولو كنت مقيمًا عليه، فيذهب عنك الأجر، ولا ينالك من بعد إلا التعب والنصب، وإن أردت أن تريح وتستريح، فتعلَّم أن تدع للآخرين كل ما يريدون منك، ويحملونك عليه من غير أن تنتظر منهم شكورًا أو جزاءً، وإن حدَّثوا أنفسهم أن يصنعوا معك معروفًا، فقل لهم معزِّيًا من قبل أن يظهروه: عظَّم الله أجركم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت