الصفحة 32 من 137

في خضم الحياة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعيره الله، ويعرف الناس به، يذكر الله ويشكره، ويحدو قوافل الذاكرين والشاكرين، فيلهب حماسهم إذا فتروا، ويقيمهم على النهج إذا انحرفوا. بل لقد أنشأهم إنشاء من جاهلية طامسة، فعلموا مَن ربهم؟ وكيف يحيون له على ظهر الأرض؟ وبم يعودون إليه يوم تفتح لهم أبواب السماء؟. وليست العلاقة بالله ساعة مناجاة في الصباح أو المساء ينطلق المرء بعدها في أرجاء الدنيا يفعل ما يريد؟ كلا، هذا تدين مغشوش. الدين الحق أن يرقب المرء ربه حيثما كان، وأن يقيد مسالكه بأوامره ونواهيه، وأن يشعر بضعفه البشري، فيستعين بربه في كل ما يعتريه. وقد كانت سيرة الرسول نسقا واضحا في عمق الصلة بالله وشمولها، فما يمكن أن يغفل عن الله في فعل أو ترك. ومن هنا وجدنا دعواته تتناول شؤون الحياة المختلفة، ولهجه بذكر الله يخالط كل ما يضع فيه يده. كانت العاطفة المشبوبة تجعله يتعرض للمطر أول ما ينزل، يقول:"هذا مطر حديث عهد بربه". وكان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إليه، فإذا أخذه الرسول قال:"اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك ص _040"

لنا في مدنا". ثم يعطيه أصغر الحاضرين من الولدان. وكان إذا عصفت الريح قال:"اللهم إنى أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به". بهذا الشعور الغامر المستوعب يلقى كل شيء، ويواجه بتعاليم السماء كما أنزلت إليه. فلننظر في جنبات المجتمع الإنساني لنرى كيف يبنيه محمد باسم الله وعلى بركته. ص _041"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت