الصفحة 30 من 137

لقد بقي على هذا الأدب مع الله ورسوله نيفا وثلاثين سنة حتى ليلة المعركة الرهيبة بينه وبين خصمه. وكان علي كثير الهموم، بعدت عنه الراحة في هذه الدنيا، فلم يشعر بطعمها إلا يوم ذهب إلى ربه، وقد علقت عائشة على موته المؤلم بهذا البيت: فألقت عصاها، واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر لكن الهموم لم تذهله عن ذكر الله قبل كل منام، بل لعله كان يهزمها ويفل حدها بهذا الذكر الموصول. وفي ترغيب الأمة كلها في طهارة البدن والروح لاستقبال الليل جاء عن أبي أمامة رضي الله عنه، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من أوى إلى فراشه طاهرا، وذكر الله عز وجل حتى يدركه النعاس، لم يتقلب ساعة من الليل يسأل الله عز وجل فيها خيرا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه". وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال:"اللهم أمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على عدوي، وأرني منه ثأري، اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، ومن الجوع فإنه بئس الضجيع". في هذا الحديث يرجو الرسول ربه أن يبقيه سليم الحواس طول عمره، وأن يمتعه بسمعه وبصره إلى أن يموت، كما يدعوه النجاة من غلبة الديون وسطوة الجوع. إن هذا النبي الإنسان ينشد الحياة القوية العزيزة البعيدة عن متاعب البأساء والضراء، وهذا حق كل إنسان صحيح الفطرة، ودعك من كذبة المتدينين الذين يرحبون بالآلام كأنها غاية تُقصد لذاتها، أو كأن الدين حرب على السلامة والكرامة. وفي هذه الكلمات دعوة نريد تفسيرها وتحديد معناها، ونسأل قبل ذلك: هل بين الرسول وبين أحد من الناس عداوة شخصية؟ كلا، فقد كان أسمح الناس بحقه الخاص، وما كان يهيجه إلا أن تستباح حقوق الله، ص _038

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت