ليل أبيض وينتهي سبح النهار الطويل، وتنقضي الصلوات المكتوبات، ويخلص كل امرىء بنفسه، قافلا إلى بيته ليستجم ويستريح، فهل ذلك ما يستقبل به محمد الليل الوافد؟ لو أن الفلاسفة الإلهيين يصنعون في نهارهم بعض ما يصنعه محمد في ليله لكفاهم، ولحسب لهم كدحا حسنا. إن النبي العابد يبدأ بالليل مرحلة جديدة من مراحل الإقبال على الله!. وما أكثر ما رواه المحدثون عن أذكاره وأدعيته، فعن حذيفة وأبي ذر أن رسول الله كان إذا أوى إلى فراشه قال:"باسمك اللهم أحيا وأموت". وعن أبى هريرة، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين". وهذا الحديث شرح للآية الكريمة: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) . والمؤمن في تدبره للآية والحديث معا يشعر أن روحه في يد الله، وأنه يستمد محياه لحظة بعد أخرى هبة من رب العالمين. قد يضع جنبه فلا ينهض إلا يوم النشور، فإن كان ذلك فهو يرجو الرحمة. ص _033