ومن ألطف وأجمل ما روي عنه في ذلك:"الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه". والضمير في الجمل الثلاث يعود إلى الطعام. لكأن هذه الكلمات وضعها نفر من علماء الطب والأخلاق والبلاغة. فإنها ذكرت فضل الله فيما يمر من طعام شهي، وفيما ادخره البدن من أسباب حياته ونمائه، ثم فيما استبعده هذا البدن من نفايات تضر ولا تسر. أرأيت أجمل من هذا الحمد، وأرق من هذا السرد؟ إن النبى الإنسان دائم الاستحضار لآلاء الله، مسارع إلى شكرها ما استطاع. * * * * ص _030
مجالس النبوة قد يحتاج المرء إلى العزلة كي يحتفظ بقلبه مشرقا وفكره ثاقبا، وعلماء النفس يقولون: إن مستوى التفكير العالي يهبط عندما يخالط الإنسان الجموع. وهذا صحيح بالنسبة إلى عظماء البشر العاديين، أما رسل الله فإنهم يرتفعون بالجماهير، ولا تهبط بهم الجماهير. وقد كان من الأصحاب من يشكو أن يقظته العقلية في مجلس الرسول تخبو عندما يعود إلى بيته. لقد كان محمد عليه الصلاة والسلام لفرط شهوده وقوة علاقته بربه يحول الأرض سماء، والبشر ملائكة، فأصحابه من حوله يذكرون الله ويوفرونه، ويتواصون بعبادته، وأداء حقوقه. وكان رسول الله يمقت مجالس الغافلين، ويشمئز من كل تجمع خلا من ذكر الله، وفي ذلك يقول:"ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار. وكان لهم حسرة". إن المجالس التي يُنسى فيها الله، وتنفض عن لغط طويل حول مطالب العيش، وشهوات الخلق هي مجالس نتنة، وماذا فيها يستحق الخلود؟ ما يستحق الخلود إلا ما اتصل بالباقي تبارك اسمه. وإذا ضم الناس مجلس يخلط بين الدنيا والآخرة فينبغي أن يُستبقى خيره في مجلس ويُستبعد شره بهذا الاستغفار. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من ص _031"