إن هذه البشاشة في استقبال النعمة، وشكر مُسديها الأعلى، لها دلالة يجب إبرازها، فقد كان النبي الخاتم إنسانا بعيدا عن العلل والآفات بل كان جلدا يهزم المصارعين، وفارس معارك يهرع للقاء المغيرين. والبسطة في الجسد حين تسد كل ثغرة، وتلبي كل واجب تُعد خيرا عظيما. وصاحب العافية يطل على الدنيا من أرحب آفاقها، ومن حقه أن يتزود من الطعام بما يعين عليها. ولم يحرم الله مأكلا يمد الجسد بالطاقة أو يبني ما تهدم من الخلايا في كدح الحياة الطويل. ومن زعم غير ذلك فهو يفتري على دين الله، إنما كره الإسلام الصرف المتلف، والتشبع المورث للبطنة، والبدانة، وسائر الأمراض. ولا يختلف الدين والطب في هذه الأمور، وقد حسب النبي عليه الصلاة والسلام عدد المشركين في بدر بين ألف وتسعمائة عندما علم أنهم يذبحون يوما تسعا، ويوما عشرا من الإبل. وعندما يُطعم مائة من الرجال جملا فإن نصيب كل واحد من اللحم يكفيه ويغنيه. على أن النبي عليه الصلاة والسلام في أحيان كثيرة كان يكتفي بلقيمات وتمرات، وعندما لم يكن في البيت إلا الخل، قال:"نعم الإدام الخل"وهذه هي الرجولة المرضية القوية لا تستذلها أزمة عارضة، ولا تفقد تماسكها عندما تفقد بعض ما ألفت من زاد، أو متاع. والبشر أجمعون لابد لهم من نفض فضلاتهم بعيدا عن العيون، وقد شرع الإسلام تعاليم من الإنقاء والتطهر تليق بما ينبغي للبشر من وضاءة وجمال ومروءة. وقد كان النبي إذا خرج من الخلاء يقول:"غفرانك. الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني"ص _029