المؤمن أن يكثر من ذكر الله في كل وقت، ففي ذلك تذكرة له بربه ومن ثم بطاعته واجتناب معصيته وبعد عن الغفلة. وعلى المرء ان يكثر من ذكر الله في كل أحواله لأنه لا يعلم متى تأتيه المنية وبعد ذلك يتحسر كيف مرت به ساعة لم يشغلها بذكر الله تعالى. قال صلى الله عليه وآله وسلم حين سُئل عن أفضل الأعمال فقال: " أن تموتَ ولِسانُكَ رَطب بِذِكراللّه عزّ وجَلّ " (34) .ـ
إذا ذكر العبد ربه نال منزلة عالية عند الله تعالى حين يذكره الله تعالى في الملأ الأعلى إن كان ذكر الله في ملأ، أو يذكره الله في نفسه إن كان ذكره منفردا ويؤكد ذلك قوله تعالى: " فاذكُروني أذكُركُم " (35) . والعبد الصالح يذكر ربه كلما وجد إلى ذلك سبيلا. يقول الشبلي (36) :ـ
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكدت بلا وجد أموت من الهوى وهام عليّ القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد إنك حاضري شهدتك موجودا بكل مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلم ولاحظت معلوما بغير عيان
فإذا أكثر العبد الذكر مع تطبيقه أوامر الله تعالى الأخرى واجتناب نواهيه، وصل مرتبة الإحسان حين يعبد الله كأنه يراه كما مر في الحديث (30) ـ
وهكذا يَعذُب الذكر للذاكر بعد أن يكابده فترة تطول أو تقصر. يقول الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة والذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلاّ فاعلموا أن الباب مقفل (أي بسبب معاصيكم) . وإن من الذكر ما يفضل غيره في أوقات معينة. فالتسمية قبل الطعام والحمد بعده، والتسبيح والتحميد والتكبير عقيب الصلوات الخمس وأذكار الصباح والمساء وغير ذلك من الذكر المسنون أفضل ما يقال في تلك الأحوال. أما الذكر العام الذي يفضل غيره بصورة عامة فهو قول لا إله إلاّ الله. ويشمل هذا الحديث ذكر الله مجتمعا بالتسبيح والتحميد والتهليل بعد الصلوات وقبل الإنصراف أو الذكر بصوت واحد أو الذكر منفردا، والمؤمن الحق يكون مع الله لحظة ذكره مستجمعا فكره في ما يذكره خاشعا وجل القلب، فيكون من الذين " إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم " (37) .ـ
ـ 40 ـ الدعاء
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
" الدُعاءُ هُوَ العِبادة " ثم قرأ قوله تعالى: " وقال ربّكُم ادعوني أستَجِب لَكُم إن الّذينَ يَستَكبِرونَ عَن عِبادَتي سيَدخُلونَ جَهَنّمَ داخرينَ " (38) .ـ
(رواه أصحاب السنن والحاكم وقال الترمذي صحيح الإسناد)
قال بعض العلماء: لقد ذم الله تعالى قوما تركوا الدعاء في قوله تعالى: " ويَقبِضونَ أيديَهُم نَسوا اللّهَ فَنَسِيَهُم " (39) ، ولذلك فإن على المؤمن أن يدعو ربه ويكثر من ذلك سواء إستجيب دعاءه أم لا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنني أهتم لكي ألهم الدعاء (أي الدعاء المناسب لكل حالة) فإذا ألهمت الدعاء لم أهتم هل أجيب دعائي أم لا. ولئن يدعو المرء فلا يستجاب له خير من أن لا يدعو، لأن دعاءه هذا هو عبادة يثاب عليها سواء استجيب له أم لا.