الصفحة 45 من 100

وعظ رجل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال: إنه كان يقال إن إستطعت أن تكون عالما فكن عالما، فإن لم تستطع أن تكون عالما فكن متعلما، فإن لم تستطع أن تكون متعلما فأحِبَّهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم، فقال عمر: سبحان الله لقد جعل الله لنا مخرجا. وقال سفيان بن عيينة (25)

إن كان الرجل ليسمع الكلمة فيصير بها فقيها. وذلك بالطبع إذا وعاها وعمل بها وبلّغها، فإن من طلبة العلم من يتعلم علما لكنه لا يفقهه، فيحمله إلى من هو أفقه منه، " فرُبّ مُبَلَّغ أوعى من سامِع " (26) . وعن الحسن البصري: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى ذلك في تخشُعه وبصره ولسانه ويده وصلاته وحديثه وزهده، وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به فيكون خيرا له من الدنيا وما فيها لو كانت له فجعلها في الآخرة.

والمؤمن يستمر بالتعلم حتى يوافيه أجله وهو يتواضع لمن علّمه ويحترم أهل العلم ويجلّهم فصفة العلم منسوبة إلى أحد أسماء الله الحسنى: العليم. وقد مدح الله الذين يعلمون: " قُل هَل يَستوي الّذينَ يَعلَمونَ والّذينَ لا يَعلَمونَ، إنّما يَتَذَكَّرُ أولوا الألبابِ " ـ (27) ـ

، وقال: " إنَما يَخشى اللّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ " (28) . فطلب العلم ونشره ليس حكرا على طبقة من الناس إتخذوا العلم مهنة. فلقد كان لأئمة هذا الدين من علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم حِرَف يكتسبون منها رزقهم ويتعلمون العلم ويعلمونه الناس خالصا لوجه الله تعالى بدون أية أجور. لذلك على المؤمن المحترف أن يعتبر طلب العلم وتعليمه واجبا عليه قدر ما إستطاع، وليس ذلك حكرا على من تفرغ للعلم واعتبره مهنة يكتسب منها رزقه، رغم جواز ذلك، بل هو اليوم ضرورة للتخصص في حقول معينة لا يستطيع إدراكها غير المختصين.

كما أن العلم بشكله العام لا ينحصر في علوم الآخرة وحدها، بل إن كل علم يفيد الناس في أمور دنياهم ومعيشتهم دخل تحت هذا الباب، لكن العلوم (الدنيوية والأخروية) بعضها أفضل من بعض، وبعضها أكثر وجوبا من بعض حسب حاجة الناس إلى ذلك العلم في أمور آخرتهم أولا ثم في أمور دنياهم. ومما يدخل في علوم الآخرة من العلوم المكملة (كالبلاغة والصرف والنحو مثلا) ما هو أقل ضرورة من علوم الدنيا (كالطب إذا كثرت الأمراض واحتاج الناس إلى ذلك) . ففي تعلُّم وتعليم هذه العلوم عبادة إن أخلصت النية لله تعالى. فتخريج عدد كاف من الأطباء هو فرض كفاية لا يسقط عن الأمة ما دامت هناك حاجة للمزيد منهم، وكذلك بقية التخصصات الضرورية.

ـ 39 ـ دوام ذكر الله

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" يقول الله تبارك وتعالى: إذا ذَكَرني عَبدي في نفسِهِ ذكَرتُه في نَفسي، وإذا ذكَرَني في ملأ ذكَرتُهُ في مَلأ خير مِن ملأِهِ، وإذا تَقَرَبَ مني شبرا تَقَرّبتُ مِنهُ ذراعا، وإذا تَقَرّبَ مني ذراعا تَقَرّبتُ منهُ باعا، وإذا مشى إليّ هروَلتُ إليهِ "

(متفق عليه)

ذكر الله على كل حال من أفضل العبادات، قال الله تعالى: " الّذين يذكُرونَ اللّهَ قِياما وقُعودا وعلى جُنوبِهِم " (29) فالذكر لا يعيقه سفر ولا عمل بدني لأن مكانه القلب والمساعد فيه اللسان، ولذلك قال تعالى: " فإذا قُضِيَتِ الصلاةُ فانتَشِروا في الأرضِ وابتَغوا مِن فضل اللّه، واذكُروا اللّهَ كَثيرا لَعَلّكُم تُفلِحونَ " (30) ، وقال في الجهاد: " ياأيُّها الّذينَ آمنوا إذا لَقيتُم فِئَة فاثبُتوا واذكُروا الله كثيرا لعلّكُم تُفلِحون " (31) ، ولفظ الكثرة لافت للأنظار في هذه الآيات وفي غيرها كقوله تعالى: " والذاكِرينَ اللّهَ كَثيرا والذاكراتِ " (32) . وقد ذم الله تعالى المنافقين رغم ذكرهم الله عزوجل فقال: " ولا يَذكُرونَ اللّهَ إلاّ قَليلا " (33) . فعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت