الصفحة 31 من 100

هو مستحب ومنها ما هو جائز ومنها ما هو مكروه ومنها ما هو حرام (32) . والبدع المشار إليها هنا بلفظ الإحداث في الدين ما ليس منه: ما يقع تحت المكروه أو الحرام كتقليد الأجانب في ما ورد الشرع بخلافه وإستحداث تقاليد جديدة مخالفة للشرع مستندة إلى أسس عصبية أو عنصرية أو طائفية ما أنزل الله بها من سلطان.

إن إستقراء الأوامر التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تعطي الفقيه بل وأحيانا المؤمن التقي الذي لديه قسط من العلم، المقدرة على التمييز بين ما يتفق مع الدين وما يخالفه من الأمور المحدثة وذلك في مختلف جوانب الحياة من معاملات وعادات. أما حينما يتعلق الأمر بجانب العبادات، فمن العبادات ما هو توقيفي بدقائقه. فليس لأحد أن يبتدع صلاة سادسة في اليوم والليلة، وليس له أن يزيد عليها ركعة واحدة. لكن باب التطوع والنوافل في العبادات واسع أيضا، وللمرء أن يختار ضمن الحدود المسموح بها شرط عدم الغلو أو التقصير أو تقليد غير المسلمين في كل ذلك. وهكذا يصبح حديث النهي عن البدع هذا وغيره مساعدا للمسلم على المزيد من البحث في خصائص هذا الدين ضمن مفهوم -في أمرنا هذا- وليس عاملا للجمود على النصوص الحرفية وعدم الأخذ من صالح ما يفرزه تقدم الأمم الأخرى، بشرط واحد فقط هو عرض كل جديد على الكتاب والسنة بعقل مفتوح، فإن اتفق معهما أخذه وإن خالفهما طرحه عرض الحائط.

والبدع عدو لدود للسنة، فكلما انتشرت بدعة أميتت سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن كتاب الله وسنة رسوله شاملان لكل جوانب الحياة. فلا تظهر بدعة مخالفة لهما إلاّ وينقص من تطبيق السنة ما يقابلها. لذلك فمحاربة البدع هو إحياء للسنة، وكذلك فإن نشر السنة هو محاربة للبدع.

ـ 23 ـ مخالفة أهل الباطل

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" خالفوا المشركينَ أحفوا الشواربَ وأوفروا اللّحى "

(رواه البيهقي) (33)

إن دين الله الحق دين كامل، فهو ليس بحاجة إلى الأضافة. والأمة تستمد تعاليم دينها من كتاب الله وهدي نبيه عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وهي أمة مستقلة تعتز بشخصيتها وإستقلالها ولا ترضى أن تذوب في أهواء غيرها من الأمم. لذلك فلا يرضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يكون المسلمون تبعا لغيرهم يقلدونهم في كل صغيرة وكبيرة. وبناء على هذا سنّ مخالفتهم في عاداتهم، وإحتفالاتهم و مظهرهم وعباداتهم. فحين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. ولما علم أن صيامهم هو في ذكرى نجاة موسى عليه السلام من فرعون، سن صيام عاشوراء، وقال: " أنا أحق بِموسى منكُم " (34) لكنه سنّ صيام يوم قبله أو يوم بعده. مخالفة لهم وتميزا عليهم، وبذلك يكون هذا الحديث مكملا ومفسرا لحديث النهي عن البدع الذي سبق. وقد قص القرآن الكريم في عشرات الآيات الأفعال السيئة لبني إسرائيل محذرا من فعل ما يشابهها من قبل هذه الأمة.

والحديث يشير في شقه الثاني إلى مثال واحد على مخالفة المشركين، ألا وهو إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب (أي تحديد حافتها بحيث لا يتدلى منها شيء على الشفة العليا) . وسنة مخالفة المشركين سنة عامة بمخالفة كل الفرق والمذاهب المخالفة للإسلام وأهل البدع والأفكار المنحرفة والضالة، للتمايز عنهم ووضع حد فاصل بين المؤمنين الصالحين وبينهم لئلا يلتبس الحق بالباطل على من ليس لديه علم واسع من عامة الناس. أما إذا كان غير المسلمين على حق في أمر ما أو كان لديهم من العلم والمعرفة ما نحتاج فالإقتباس مطلوب شرعا دون أدنى حرج وليس أدل على ذلك من إستعمال النقود الرومانية والفارسية على عهد رسول الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت