الصفحة 30 من 100

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تَكونوا إمَّعَة تَقولوا إن أحسَنَ النَّاسُ أحسَنّا وإن ظَلَموا ظَلَمنا ولكن وَطِّنوا أنفُسَكُم إن أحسَنَ النّاسُ أن تُحسِنوا وإن أساؤوا أن لا تَظلِموا "

(رواه الترمذي وقال حديث حسن)

الإمعّة هو الذي لا رأي له فهو يتابع الأكثرية أو كل أحد سواه والمؤمن قوي في إيمانه، فهو يستحي من الله لكن ليس من الحياء متابعة الناس في الشر. ويعتمد ذلك على عمق الإيمان، فالمؤمن القوي الإيمان لا يتابع على الباطل أحدا ولو خالف الناس كلهم وحده، أما من كان أضعف من ذلك فربما جامل الناس، وعليه عند ذلك أن يتهم إيمانه، ويستغفر ربه ويتوب إليه.

إن المؤمن قائد في طريق الحق وهو متبوع بالحق غير تابع للباطل. وطريق الإستقامة يحتم عليه أن يميز بين الحق والباطل، ويفرض شخصيته التي قوامها العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويخالف من خالفهما ولا يخاف في الله لومة لائم. فكم من سنة أميتت أحياها الله على يد فرد مسلم واحد بإصراره على مخالفة كل من كان حوله. وكم من عمل صالح مستمر الفائدة كان أساسه ثبات رجل واحد. لا شك بأن مخالفة الغالبية قد تسبب للمرء صعوبات قد لا يلقاها غيره، لكن ذلك من الجهاد إن كانت النية خالصة لله، لا لحب الظهور جريا على قاعدة -خالف تُعرف-. فمن خالف لكي يعرف فهو مرائي كما سيمر بنا. وعلى المؤمن أن يتحمل ما يحصل له من أذى في سبيل الله، إلاّ أن عليه أن يعرف قدر نفسه فلا يغالي فيشتَط في المخالفة في أمور ليست ذات بال بحيث يرتكب آثاما أكبر من الطاعة التي قام بها، فكل ما زاد عن حدّه إنقلب إلى ضده. أما في الأمور ذات العلاقة بالمبادئ الأساسية فعلى المؤمن أن يكون على أشد الصلابة، ولتكن له في رسول الله أسوة حسنة حين ساومه الكفار على التخلي عن دعوته فقال قولته المشهورة لعمه أبي طالب: " واللّه يا عَمّ، لو وضعوا الشَمسَ في يَميني والقَمرَ في يَساري على أن أترُك هذا الأمرَ ما تَرَكتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللّهُ أو أهلِكَ دونَهُ " (30)

ـ 22 ـ إجتناب البدع

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردٌ ".

(متفق عليه)

قال الله تعالى: " اليومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم وأتمَمتُ عَليكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُم الإسلامَ دينا " (31) . وهكذا فإن دين الله تعالى قد إكتمل قبيل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ليس بحاجة إلى إضافة أو تعديل لأن الإضافة تحتاجها المبادئ الناقصة من صنع بني آدم. أما دين الله فقد إحتوى ما يحتاجه بنو آدم إلى يوم القيامة.

لقد أشكل هذا الحديث وغيره من الأحاديث حول البدع على بعض العلماء، حيث وجدوا أن الأمم الأخرى لديها علوم لم يكن المسلمون على معرفة بها، ولئلا يدخل إقتباس العلوم تحت طائلة النهي عن الإحداث في الدين، قالوا إن البدع تدخل في العبادات فقط. أما في غير العبادات فالإحداث جائز. والحق أن الدين (أو ما ورد في هذا الحديث من لفظة: أمرنا هذا) يشمل العبادات والعادات والمعاملات والعقائد وكل شؤون الحياة. فالمسلم يدعو ربه في كل صلاة: " إنّ صلاتي ونُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي للّهِ رَبّ العالمين " ولا فرق بين الصلاة وبين اكتساب الرزق والعمل أو الراحة، فما دام كل ذلك من الحياة فهو لله. أما إقتباس العلوم من الأمم الأخرى فهو ليس من ألإحداث في الدين بل هو من الأمور التي حث عليها الشرع وإعتبرها من فروض الكفايات. وقد أوضح ذلك بعض العلماء بتقسيم الأمور المحدثة إلى أقسام متباينة، فمن ألأمور المستجدة ما هو فرض ومنها ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت