وبما أن العقل بقسميه المطبوع والمسموع يتبوأ هذه المنزلة وتلك المكانة في العمل الإبداعي، فقد ضل من ضل بسبب غلوهم فيه، وجعلهم إياه في منزلة أعلى من المنزلة التي جعله الله فيها، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أن آلة العقل ومن ثم عبده أو اتخذه نبيا أو إماما وجعل له السيادة المطلقة، وقدمه على كل شيء حتى على نصوص الوحيين، كما هو الشأن في فرق الاعتزال والتجهم وغيرها، وكذلك فعل الفلاسفة سواء المتقدمون منهم أو المتأخرون، حتى إن أحد زنادقة الإسلام كما يسميه ابن الجوزي، وهو أبو العلاء المعري يقول (1) :
أيها الغرُّ إن رزقت بعقل ... فاسألنه فكل عقل نبي
ويقول أيضا (2) :
يرتجي الناس أن يقوم إمام ... ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا إمام سوى العقل ... مشيرا في صبحه والمساء
(1) اللزوميات (2/ 642) .
(2) المصدر نفسه (1/ 66) وارجع إن شئت المزيد إلى كتاب قصة الفلسفة لديورانت أو العقل والمادة، لراسل أو كتاب نافذة على فلسفة العصر، لزكي نجيب محفوظ تجد أن هناك من يؤله العقل عياذ بالله من ذلك.