الثاني: أنهم يكذبون الشريعة فيما تخبر به عن القرون الأولى ، وأن خبر الكافرين أصدق عندهم من خبر الله عز وجل . ولا يستبعد هذا القول ، ولا يستهجن ، ولا تحسبن أنه من تحاملٍ عليهم . لا والله ، فلولا بغضهم لما أنزل الله وحبهم للكافرين ، ما ذهبوا إليهم ورددوا قولهم وغفلوا عن قول ربهم .
ومن صور الكذب الصريح وقلب الحقائق بل والجهل بالأمور المسلمات التي يعرفها كل من له أدنى دراية بتاريخه ـ زعمها أن ( الأصنام التي كانت عند الكعبة مثل اللات والعزى ومناة كانت نساء عبدها الناس في الماضي السحيق ثم نحتوا لهن تماثيل ليستمروا في تقديسهن من خلال تلك التماثيل .)
أسال: هل قال بهذا الكلام أحد قبلها ؟
وهل كانت ( اللات) (1) و ( مناة ) عند الكعبة ؟ وهل كانت ( العزى ) عند الكعبة ؟
إنها جهولة كذوبة .
أو أنها ـ كغيرها من أهل البدع ـ تعتقد ثم تستدل ، توجَد الفكرة عندها أولا ثم تذهب للنصوص وأحداث التاريخ كي تفسرها بما يدلل على باطلها الذي تعتقده أولا . وهذا مسلك أهل الباطل جميعا . وسنلاحظ هذا الأمر في كثير من أفكارها التي تدعوا إليها
(1) اللات كانت صخرة بني عليها بيتا ، وكانت في الطائف لثقيف ، وسببها معروف وهو أن رجلا كان يلت السويق للحجيج على صخرة هناك ، فمات ، فزعم عمرو بن لحي أنه لم يمت وأنه دخل في الصخرة ، وطلب من الناس تعظيم الصخرة فعظموها .
ومناة كانت على ساحل البحر الأحمر بالمشلل ـ عند صعبر اليوم . ولم تكن بمكة ، ولم يقل أحد أنها كانت أنثى عبدها الناس .
والعزى . كان ببطن نخلة شمال شرق مكة ، وسدنته بني سليم . ولم تكن أنثى . ولم يقل أحد بهذا .