(2) ومع تبلور الإرادة الواعية بأسباب ضرورة المشاركة، ظل قائمًا السؤال: كيف؟
هل أقدم قراءة سياسية فقط، أرسم -على ضوئها- خريطة المشاكل والتحديات التي تواجه مسلمي أوروبا، وأناقش القضايا الفكرية والسياسية التي تطرحها هذه التحديات، وأبحث في الجدال عن النمط الأمثل"لوضع"هؤلاء المسلمين في المجتمع والنظام السياسي، وأفكر في المحددات التي تشكل كل ما سبق وتؤثر على مآلات الفقه الخاص به؟
وحيث إنني أشارك في مؤتمر يعقده مجلس الإفتاء الأوروبي، وليس مؤتمرًا عامًّا عن"المسلمين في أوروبا"، وجدت أنه ليس من الممكن على الإطلاق -وعلى ضوء الاعتبار الرابع الذي حدد ضرورة مشاركتي- أن أقدم مجرد قراءة سياسية تقليدية لباحث في العلاقات الدولية [1] .
ورأيت من الواجب أن أعرف ماذا كتب أصحاب مدرسة فقه الأقليات عنه؟ وماذا قدموا؟ وماذا كُتِبَ عنه؟ وما موضع"فقه الواقع"في عملية إخراجه وفي التأثير على مخرجاته؟ وما هي أوجه الاختلاف من حيث تشخيص هذا الواقع وفي تقدير آثاره بين مدرسة فقه الأقليات وبين من كتبوا عن وضع المسلمين في أوروبا من مداخل أخرى -غير شرعية- سواء من داخل أوروبا أو خارجها من المسلمين وغير المسلمين؟
على هذا النحو رأيت أنه من الممكن أن أقدم مساهمة وتراكمًا في هذا المجال. إلا أن تحقيق هذه المساهمة كان يتطلب منهجًا مركبًا يعكس عدة أمور: أولها- الجمع بين أدبيات الشرعيين وأدبيات متخصصي العلوم الاجتماعية، من داخل أوروبا ومن خارجها من المسلمين (المهاجرين أو من أصل أوروبي) .
ثانيها- المقارنة بين نماذج من أدبيات الأوربيين غير المسلمين ذوي التوجهات المختلفة من قضية الوجود المسلم ذاته.
ثالثها- الانطلاق أساسًا من رصد الخصائص العامة الكبرى للوجود المسلم في أوروبا والاتجاهات الفكرية حول تشخيص الواقع وتحدياته، أكثر من الاعتماد على وقائع الأحداث وتفاصيلها ووقائع الفتاوى المتوالية؛ حيث يحتاج هذا المنحى الأخير وسائل وأدوات أخرى للدراسة.
ولذا؛ فإن المقولة الأساسية للدراسة هي مقولة ذات شقين: الشق الأول هو: أين موضع فقه الأقليات بين فقه الاندماج والمواطنة، وبين فقه العزلة؟
إن تحديد هذا الموضع يفترض البحث في مكانة"الواقع"لدى هذا الفقه للأقليات من ناحية، وقراءة خصائص الإطار المحيط (مناط المشكلة ومحدداتها) من ناحية أخرى، وخريطة المدركات عن حال وضع المسلمين ومستقبله من ناحية ثالثة.
(1) د. نادية محمود مصطفى: إطار مقارنة لدراسة الأقليات المسلمة: مرجع سابق.