الصفحة 8 من 69

حديثًا، والتحديات المتبادلة بين الطرفين. إن المسار السابق شرحه -على ساحة أوروبا ذاتها- يدفعنا للتساؤل: ما الذي ينتظر مسلمي أوروبا -الذين ذهبوا طوعًا واختيارًا وليس فتحًا أو غزوًا أو حكمًا أو علوًا سياسيًا وحضاريًا- من وضع دونية سياسية ومادية؟ ما الذي ينتظرهم وقد كان ذلك مآل سابقيهم من الفاتحين الغزاة؟ ما الذي ينتظر -هذه الغزوة الثالثة الكبرى بوسائل"القوة المرنة"soft power - هل ستصمد الآن في ظل"تسامح"الحداثة والعلمانية والديموقراطية، هذه المفاهيم والنظم التي لم تتوافر من قبل -حيث كانت التصفية هي الآلية السائدة: تصفية الوجود المسلم في الأندلس أو الوجود العثماني في البلقان؟ أم سيعيد التاريخ نفسه -ولو بأساليب جديدة- من حيث عدم قدرة أوروبا على قبول المسلمين إلا بشروطها -عسكريًا وحضاريًا؟ هو نمط حضاري متكرر أيًا كانت الوسائل وأيًا كانت الأطر المحيطة؟

رابع هذه الاعتبارات: الإيمان الشديد بأهمية التفاعل بين"الشرعيين"و"متخصصي العلوم الاجتماعية والإنسانية"؛ ذلك لأن العلاقة يجب أن تكون وثيقة بين"فقه النص"و"فقه الواقع" (فضلًا عن فقه التاريخ) . وإذا كانت هذه العلاقة ضرورية في ظل متطلبات الاجتهاد والتجديد في شئون الأمة بصفة عامة، فهي أكثر ضرورية فيما يتصل بالأقليات، وخاصة أن هناك اختلافات بين اتجاهات فقهية معاصرة، حول مدى الحاجة إلى فقه أقليات مستقل أو حتى متفرع عن الفقه في عمومه (كما سنرى) . وبالرغم من أن فقه الواقع -الذي يقوم عليه متخصصو العلوم الاجتماعية والإنسانية أصبح محكًا في النقاش بين هذه الاتجاهات المختلفة، إلا أن القيام عليه وبه يؤدي مهمة أساسية وذات أسبقية ولازمة لكل اجتهاد أو تجديد بشأن الرؤية الكلية لوضع الأقليات أو المسائل الجزئية التي تواجهها، ولذا نجد مثلًا أن مؤتمر"فقه اليوم: المسلمون كأقليات في المملكة المتحدة"في فبراير 2004 تم عقده بالتعاون بين مجموعة من العلماء وتحت رعاية جمعية علماء الاجتماع المسلمين بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت