الصفحة 7 من 69

أو دعوة للدين (ونموذجها القياسي هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم) ، أو سواء نتيجة انقلاب ميزان القوة لتتحول أرض الإسلام إلى أرض حرب نتيجة الاسترداد المعاكس (في شرق أوروبا- أو الأندلس) أو نتيجة لاستعمار أوروبي لدول مسلمة، وفي هذه الحالة الأخيرة -وإن ظل المسلمون أكثرية- إلا أنهم فقدوا القوة؛ حيث إن وضع الأقلية في نظر البعض [1] لا يرتهن بالعدد فقط بل أيضًا بدرجة"القوة والسلطة والحكم".

ولقد كان لكل حالة من هذه الحالات"فقهها"الذي تنتجه الظروف ويتعامل مع دواعي الضرورة من عدمها التي تستوجب على المسلمين البقاء أو المغادرة، كما يتعامل مع شروط البقاء والاستمرار [2] .

بعبارة أخرى: أضحت"الظروف المنشئة للهجرة"تفرض تحديًا جديدًا على"الفقه الإسلامي"مقارنة بالتحديات التي فرضتها ظروف منشئة لأوضاع أخرى تاريخية أوجدت"حالات أقلية عددية أو سلطوية".

ومن ناحية أخرى: فإن الحديث عن مسلمي أوروبا -من زاوية ما يفرضه واقعهم (في أوروبا) من تحديات على الفقه والفكر الإسلامي- لا ينفصل فهمه عن فهم نمط آخر من التحديات تلك التي يفرضها وجود الإسلام والمسلمين في أوروبا على الأوروبيين؛ فلقد مثل الإسلام والمسلمون دائمًا تحديا لأوروبا: للهوية والحضارة الأوروبية، ابتداء من الفتح الأموي من جنوب غرب أوروبا، إلى تحدي الفتح العثماني من الشرق وجنوب شرق أوروبا، وكلاهما نمطان مثَّلا تحديًا مباشرًا -في ظل حكم سلطة الإسلام، وإن اختلفت خبرة وجودهما (حضارة الأندلس في مقابل حكم عثماني عسكري مباشر) ، كما اختلفت بالطبع آثارهما ومآلاتهما، إلا أنهما مثَّلا -كما يرى البعض [3] - تحديًا ساهم في بلورة"هوية أوروبية"في مواجهة"الآخر"؛ وهو الإسلام، وذلك في مواجهة"الخطر العثماني"بالأساس من الشرق، وكما يرى البعض الآخر [4] ؛ فإن الحديث عن تهديد إسلامي في أوروبا يتم استثماره لتعميق وتوطيد مشاعر الوحدة الأوروبية بعد أن خفتَ فورة الحماس الذي ساد الثمانينيات ... ، وذلك استمرارًا لدورة بدأت منذ معركة بواتييه (732م) "."

بعبارة أخرى، بعد تحدٍّ حضاري من الجنوب الغربي (الأندلس) ، وبعد عدة قرون ومع سقوط غرناطة تبلور وتدعم تحدٍّ آخر (العثماني) في الشرق، والآن فإن التحدي ينتشر عبر الأرجاء الأوروبية، وبأنماط أخرى من الانتشار ولو أنها في إطار الأقليات، إلا أنهم يدركونها باعتباره تحديًا دينيًا أحيانًا وثقافيا أحيانًا أخرى، واقتصاديًا سياسيًا في أحيان ثالثة.

وهكذا تتوالى"دورات التحدي والاستجابة"بين الإسلام والمسلمين على ساحة أوروبا ذاتها، لنصل إلى مرحلة جديدة الآن ذات سمات جديدة أفرزت"حالة فقهية جديدة". لا يمكن حسن فهم وظائفها ولا توقع مآلاتها بدون استيعاب وضعها في مسار تطور النشأة للوجود المسلم في أوروبا

(2) لقد اهتمت أدبيات غربية -استشراقية وسياسية بمتابعة هذا التطور

انظر على سبيل المثال:

انظر أيضًا:

-... أ. مدحت ماهر: الجديد فقه الأقليات في موضوع المرأة.

(في) د. أماني صالح (محرر) مراجعة في خطابات معاصرة حول المرأة: نحو منظور حضاري أعمال الندوة التي نظمها برنامج حوار الحضارات، جامعة القاهرة، نوفمبر 2005، (تحت الطبع) .

-وحول رؤية جديدة عن كيف يجب اعتبار الإسلام مكون من مكونات الحضارة الغربية إلى جانب التقاليد المسيحية واليهودية انظر:

(4) انجمار كاربسون: مرجع سابق، ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت