الصفحة 6 من 69

بحيث يرتبط فهمه بفهم بقية الأمة، ولذا يرى مثلًا هذا الاتجاه أن المسلمين في الغرب عليهم دور كبير في إدارة الصراع الآن بين الإسلام والغرب والذي لا يقدر عليه بصورة فاعلة مسلمو الدول الإسلامية بمفردهم. وبينما يرى فريق ثالث [1] أن مسلمي الغرب بأفكارهم يمكن أن يصبحوا مصدر تجديد وإصلاح في أوطانهم الأم؛ فإن فريقا رابعا يرفض الفتاوى من علماء الإسلام -خارج الديار الأوروبية- ويطالب بفتاوى أوروبية [2] ، ... إلخ. أيًا كان الأمر وأيًا كانت تفسيراته؛ فإن هذه الاستدلالات تطرح قضية أساسية: إذا كان وجود مسلمي الغرب في ديارهم الجديدة لابد من أن يُطرح معه تجديد نقدي للفكر الإسلامي (مزيد من الانفتاح أم مزيد من الانغلاق؟) إذن من الذي يقدم النُّصرة"الفكرية"لمن؟ وكيف يحدث انتقال الأفكار بين رافدي الأمة؟

إن أهمية هذه القضية -التي طرحها البعض [3] بصورة منظمة في ظل ما يسمى"نظرية انتقال الأفكار"، كانت ماثلة في ذهني وأنا أفكر كيف أعالج موضوع الدراسة؛ فالنصرة في نظري فكرية أيضًا بقدر ما هي مادية.

ثالث هذه الاعتبارات: طبيعة التحدي المتبادل الذي يمثله المسلمون والأوروبيون لبعضهم البعض في هذه المرحلة (من مراحل تطور هذا التحدي المتبادل عبر تاريخ العلاقات الإسلامية-الدولية) ، وكيف يمثل هذا التحدي الآن اختبارًا حقيقيًا لمصداقية انطباق المبادئ الأوروبية عن التعددية والتسامح وحقوق الإنسان والديموقراطية على ساحة أراضيهم، وهم الذين لا يكفون عن التبشير بها في الخارج مدعين عالميتها ومطالبين الجميع باحترامها، ومن ثم يتدخلون باسم حمايتها في أرجاء العالم.

ويقتضي التفصيل في هذا الاعتبار تقديم الطرح التالي:

الحديث عن المسلمين في أوروبا الآن: حديث ذو شقين: عن مسلمي الهجرة الحديثة (على الأقل ابتداء من القرن العشرين) إلى أراضي لم تحكمها من قبل"سلطة الإسلام" (ما عدا الأندلس) ، وعن مسلمي البلقان وشرق أوروبا التي حكمتهم من قبل سلطة الإسلام منذ الفتح العثماني وطوال الحكم العثماني، وطمست وجودهم -بوصفهم مسلمين- فترة حكم شيوعي ممتدة، إلا أنه سرعان ما عاد ظهورهم منذ 1990، وكلا المستويين -الآن، ولو لأسباب مختلفة وفي أطر مختلفة هما بمثابة أقلية في محيط غير مسلم، إلا أنهما يمثلان مكونًا لأحد رافدي الأمة؛ أي الأقليات، والرافد الآخر هو"الدول الإسلامية".

والمستوى الأول (مسلمو الهجرة الحديثة من الجيل الأول والثاني والثالث) ، هو موضع الاهتمام في هذا المؤتمر؛ لأنه يمثل نمطًا من"الأقليات المسلمة"فريدًا من نوعه هاجر طوعًا وبإرادته (ولو تحت دوافع يراها البعض اضطرارية) إلى دول غير مسلمة؛ وهو وضع فريد من نوعه لا يقارن بأوضاع"أقلية"أخرى توالت عبر التاريخ الإسلامي سواء نتيجة"هجرة"فرارًا بالدين

(1) انجمار كالسون: الإسلام وأوروبا تعايش أم مجابهة: (ترجمة) سمير يوناني، الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2003.

(2) انظر على سبيل المثال: مقالات أ. فهمي هويدي عن"الفتاوى الأوروبية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت