الصفحة 10 من 69

والشق الثاني من المقولة -واتساقًا مع الاعتبار الثاني من اعتبارات ضرورة مشاركتي: ما دلالة كل ما سبق بالنسبة للعلاقة بين رافدي الأمة؟ من أين النصرة ولمن؟ وهنا تبدو فكرة النصرة المتبادلة ونظرية ارتحال الأفكار والرؤى؛ فهل يمكن أن يصبح مسلمو أوروبا مصدر تجديد أمام التحديات التي تواجه روافد الأمة في مجموعها؟ ولماذا يظل فقهاء الدول الإسلامية ومفكروها (الذين لم يعايشوا خبرة المسلمين الأوروبيين المباشرة) كما يقول البعض، يشاركون في الإفتاء في حين هناك حاجة لفتاوى"أوروبية"إن لم يكن لإسلام أوروبي يعتمد على نتائج دراسات الحالة الإمبريقية أو الميدانية عن"واقع المسلمين في أوروبا"أو عن ماهية الفتاوى في مسائل محددة ومدى التراكم أو التغير في هذه الفتاوى من مجتمع أوروبي إلى آخر؟

وبناء على ما سبق؛ فإن التراكم الذي ستحققه الدراسة هو رسم خريطة لنماذج من الاتجاهات الفقهية والسياسية في الموضوع، ولنماذج التحديات والرؤى الكلية عن حالة الوجود المسلم ومآله سعيًا نحو تقييم الإمكانات المستقبلية لمدرسة فقه الأقليات والتحديات المتغيرة التي عليها أن تتصدى لها دومًا، ليس فقط من أجل الإجابة عن السؤال التالي:"هل يمكن أن يعيش المسلمون في أوروبا؟"بل"هل يمكن للمسلمين أن يستمروا في العيش في أوروبا"؟

بعبارة أخرى، وحيث إنني لست مفكرة أقدم رؤيتي فقط، ولكنني أستاذة علوم سياسية متخصصة في العلاقات الدولية؛ فإن الإسهام الذي يمكنني تقديمه هو رسم الخرائط، وتحديد أنماط العلاقات وطرح الأسئلة وتحديد عوامل التأثير ومجالات التأثر فيما يتصل بالظاهرة محل الاهتمام. وكل هذا يحمل في طياته رؤية وإن كانت عن مجال في أمس الحاجة لمثل هذا الجهد المقارن التراكمي للتعرف على حالة التعامل الفقهي والحركي مع الظاهرة، بعد أن تعددت مناهج النظر والتدبر ومناهج الحركة.

(3) وعلى ضوء ما سبق، نجد أن مفهوم"السياسي"في الدراسة هو مفهوم واسع؛ فلا يقتصر العمل السياسي المقصود على المشاركة السياسية بالمعنى التقليدي (الترشيح للانتخابات أو عضوية الأحزاب أو التصويت أو تولي المناصب العامة) . فهذا هو المعنى"العلماني الغربي التقليدي"في حين أن التطور الذي أصاب هذا المفهوم -في نطاق المراجعات على صعيد المدارس الغربية لعلم السياسة- وعلى ضوء المراجعات لمفهوم"السلطة"في نظرية الاجتماع بصفة عامة، قد جعل منه مفهومًا متسعًا يضم أشكالا أخرى من المشاركة (المدنية) وعلى مستويات أخرى من الأنشطة (المدنية) واسعة النطاق التي تتجاوز مفهوم"السلطة"التقليدي، كما تتجاوز مستوى المؤسسات الرسمية أو مجرد العلاقات بين الحاكم والمحكوم إلى مستوى أكثر اتساعًا من علاقات السلطة يمتد إلى القاعدة الشعبية ( Grass roots) والهيئات غير الرسمية (المجتمع المدني والأهلي) [1] .

(1) انظر على سبيل المثال:

-د. هبة رؤوف، د. نادية محمود مصطفى، د. حازم حسني: إعادة تعريف السياسي (في النظرية السياسية والعلاقات الدولية) .. (في) د. نادية محمود مصطفى (محرر) علم السياسة: مراجعات نظرية ومنهاجية أعمال السمينار العلمي لقسم العلوم السياسية (2002 - 2004) ، جامعة القاهرة، 2004.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت