وعلى الصعيد المقابل؛ فإن التصور الإسلامي للأصول السياسية للعمل السياسي بصفة عامة وفي مجال العلاقات الدولية بصفة خاصة [1] يتجاوز أيضًا المفهوم التقليدي الغربي، ويجد مناطق تقاطع بينه وبين المفاهيم الجديدة عن"السياسي"؛ حيث إن تلك الأخيرة أضحت تتجاوز أيضًا المادي إلى القيمي، كما تتجاوز السياسي- الاقتصادي إلى الثقافي المجتمعي ليتبلور على هذا النحو مفهوم عن"الجماعة السياسية"بوصفها فاعلا ومستوى تحليل جديدا إلى جانب الفاعل ومستوى التحليل التقليدي وهو"الدولة-القومية".
ومع ذلك يظل بالطبع لهذا التصور الإسلامي للأصول السياسية للعمل السياسي في الغرب مناطق تميزه وخصوصيته؛ وهذا هو مناط اهتمام الفقه السياسي للأقليات. ولهذا؛ فإن الدراسة باقترابها -السابق تحديده- وبالنظر إلى طبيعة المقولة الأساسية لها، إنما تُعنى بالتأصيل السياسي. ذلك التأصيل السياسي للوجود المسلم ذاته (دوافعًا وغاية وسبلًا) وإمكانيات وقيود العيش في الواقع الأوروبي بل إمكانية الاستمرار من عدمه في هذا العيش في ظل تحديات الإطار الأوروبي والعالمي (والذاتي) والشروط التي تتطلبها الاستجابة الفاعلة (الحافظة للهوية الإسلامية) لهذه التحديات.
بعبارة أخرى، تتصدى الدراسة لمستوى الرؤى الكلية، وهذا هو مناط التحدي الأساسي الذي يجب على فقه الأقليات أن يواجهه -بحيث لا يقتصر على فقه المسائل الجزئية- فهل تحقق هذا المناط، في ظل ما تم إخراجه من تأصيل لفقه الأقليات حتى الآن؟ هذا ما ستحاول أجزاء الدراسة أن تقدمه.
هذا وتنقسم الدراسة إلى جزءين وخاتمة:
الجزء الأول- موضع"فقه الواقع"بين اتجاهات مدرسة"فقه الأقليات: نحو رؤية كلية أو فتاوى جزئية".
الجزء الثاني- الإشكاليات الكبرى لواقع الوجود المسلم: قراءة سياسية في فقه المواطنة والاندماج.
الخاتمة- الواقع بين فقه الأقليات وفقه المواطنة وفقه العزلة: مناط التحديات المستقبلية: كيف يمكن الاستمرار؟
وعلى هذا النحو -وابتداء وقبل الدخول في تفاصيل الدراسة- فإنني أرى أن موضعها في الجدول المبدئي للمؤتمر، لا يتسق ومضمونها؛ حيث إنها لا تتصل بالضوابط الأخلاقية والشرعية، ولكن الأقرب أن تقع في موضع وَسَط بين مجموعة الجلسة العلمية الخامسة (المسلمون والسياسة في أوروبا) التي تتصدى لواقع العمل السياسي، وبين مجموعة الجلسة السادسة (التي يجب تغيير عنوانها لتصبح القضايا والضوابط الشرعية) كما قد ينبغي -من وجهة نظري- تغيير موضعها لتصبح هي الجلسة السابقة (مضافًا إليها: موضوع العمل السياسي
(1) انظر على سبيل المثال:
-د. سيف الدين عبد الفتاح: القيم مدخل دراسة العلاقات الدولية وفي الإسلام (في) د. نادية محمود مصطفى (مشرف ومحرر) مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، الجزء 2ٍ.
-د. سيف الدين عبد الفتاح: النظرية السياسية من منظور إسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة.