الصفحة 15 من 69

وفي مقدمة دراسته يقدم أ. مدحت تلخيصًا لصورة عامة عن طبيعة"الفقه الموروث" (في موضوع الأقليات) وأصوله ودلالات مفهومي"الاجتهاد"و"التجديد"فيه، كما يشير إلى مدلولات الكثرة الواضحة في تداول تعبير"فقه"مقرونًا بالعديد من المسائل والحقول العلمية، على أساس أن كشف هذه المدلولات ضروري للاقتراب من أبعاد البيئة الفكرية المحيطة ببروز اصطلاح فقه الأقليات، كما يميز بين مدلولات"الفقه"-ابتداء من اللغوي والقرآني، إلى مدلولال الصدر الأول في الإسلام وصولًا إلى تحول مدلول"الفقه"من علم يشمل مجمل موضوعات الدين؛ وهو الكتاب والسنة لا غير إلى"العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة أو المستتبطة من أدلتها التفصيلية".

وعلى ضوء هذه المقدمة يصل إلى التمييز بين نوعين من فقهاء الأقليات في الغرب:"الفقهاء المتصلين بالتراث الفقهي"، و"المتفقهة المتحررين من الفقه القديم"، وفي حين يقصد الباحث بالفئة الثانية هؤلاء الذين يَعنون بالفقه مجردَ حُسن الفهم من رؤية منتسبة للإسلام، ولا يدَّعون الرسوخ في علم الفقه بل ترى -هذه الفئة المتفقهة- أنها يمكن أن تتجاوز الفقه الموروث ولها حق التعامل المباشر مع شرعة دينها كتابًا وسُنة؛ فإن الفئة الأولى -لدى الباحث- هي ذات صلة مشهورة بالموروث الفقهي وهم الذين أسسوا ويؤسسون لفقه أقليات جديد.

وتلك الفئة الأخيرة هي التي نُعنَى بها هنا -في هذا الموضوع من الدراسة- في محاولة لتبيُّن الفروق بين اتجاهاتها فيما يتصل بإشكالية العلاقة بين النص والواقع.

وفي هذا الصدد، ونقلًا أيضًا عن دراسة أ. مدحت ماهر؛ فنجده يميز بين اتجاهين يدعو كل منهما إلى فقه جديد للأقليات، وإن اختلفا على النحو التالي [1] :

-"اتجاه"الفقه بمعنى علم الأحكام الشرعية على منوال المدلول الشائع"، وإن كان"فقه الأقليات"سيمثل بابًا محددًا مستجدًا، ذا خصوصية. وهذا الاتجاه يقوده فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي وعدد من الأساتذة العاملين في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، مع بعض التباين في الأساليب، وفي صياغة الطروحات، ونمثّل لهذا الاتجاه بالشيخ القرضاوي وبالأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار."

وخلاصة طرح هذا الاتجاه أنه يُعنىَ بوضع علم له موضوعه الخاص (الأقليات المسلمة في غير بلاد المسلمين- مع العناية بالغرب) ، وله أصوله الخاصة (أصول لفقه الأقليات) .

هذه الأصول -وما يستخرج منها من تقعيدات وأحكام- غايتها أن تؤسس لوضع المسلمين في الغرب من جهة؛ أي تمنحه توصيفًا شرعيًا ملائمًا، ومن جهة أخرى تمكّن من استنباط أحكام شرعية لقضايا الأقليات المسلمة الجزئية وشبه الجزئية في واقعهم الخاص بهم.

(1) مدحت ماهر: مرجع سابق، ص 5 - 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت