-أما الاتجاه الآخر في هذا الفريق الأول؛ فإن"الفقه"-عنده- في"فقه الأقليات"، لا يدل غالبًا على"علم أحكام"، بل -إن جاز التعبير- يدل على"علم حلول عملية لمشكلات واقعية"، يستأنس بروح الشرع وعمومياته، وليس بالضرورة يستنبط أحكامًا، وليس بالضرورة يتعامل تعاملًا مباشرًا استدلاليًا ولا استنباطيًا مع النصوص التي هي الأدلة التفصيلية.
وعلم الفقه -لدى هذا الفريق- علم إجمالي باسم"الفقه الأكبر"؛ وهو المشتمل على عقائد وأخلاق ومبادئ وقيم لا مجرد أحكام. وهذا الاتجاه -على غير درجة سابقه في التحفظ- لا يستفز الأمة فقط لفتح باب"الاجتهاد"في الفقه بناء على أصوله التي لا تزال مقبولة عند أغلب أهل العلم، بل يردد الدعوة لـ"التجديد"الكلي في الفقه، بالتجديد في أصول الفقه أيضًا.
يبرز واضحًا في التنظير لهذا الاتجاه فضيلة الدكتور طه جابر العلواني -رئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا بالولايات المتحدة. ويُضم إلى هذا الاتجاه -مع التحفظ ثانية على التعميم التصنيفي والانتباه للفروق جنبًا إلى جنب مع الأشباه- دراسة مسهبة لفضيلة الدكتور جمال الدين عطية، الذي يعد من أنشط دعاة"التجديد"في الفقه أساسًا وفي أصوله تاليًا، ومنذ زمن"."
ومع التجاوز الآن عن تفاصيل الاختلاف بين الاتجاهين من حيث"المضمون"حيث نتناولها في المحور التالي مباشرة، فنقتصر هنا على الاختلاف"المنهجي"ودرجة ما يؤدي إليه من"اجتهاد"أو"تجديد"في موضوع الأقليات انبثاقًا عن طبيعة النظر إلى"فقه الواقع"وتحدياته.
ويلخص أ. مدحت ماهر هذا الاختلاف كالآتي [1] :
يقرر القرضاوي (وكمثله الدكتور النجار وعلى خلافهما العلواني وعطية) أن"مصادر فقه الأقليات هي مصادر الفقه العام نفسها. ولكن ينبغي أن يكون لهذا الفقه وقفات (تجديدية) لهذه المصادر ..".
والوقفات (التجديدية) لفقه الأقليات إزاء مصادر الفقه هي الخط الثاني الأعرض في تحقيق معنى"التجديد":
-فالقرآن الكريم هو"مصدر المصادر، وأصل الأصول"،"حتى السُّنة النبوية يجب أن (تفهم في ضوء القرآن الكريم) ، فهو الأب لكل القوانين والأحكام، ولذا هو يُعنى [أي القرآن الكريم] بإرساء القواعد والمبادئ العامة، أكثر من التعرض للجزئيات والتفصيلات، بخلاف السُّنة التي تعالج مسائل وقتية، وحالات شخصية، ...".
ورغم أن الشيخ القرضاوي تحدث عن (وقفات تجديدية) ورقّم لها بالرقم (1) فإنه لم يصل إلى رقم (2) ، وتكاد تقتصر وقفته (وليس وقفاته) على التأكيد والتشديد على"أن تُرد السُّنة إلى"
(1) مرجع سابق، ص 19 - 24.