الإحساس الكافي بالانتماء الإسلامي أو الهوية الإسلامية، ثم بدأ المسلمون المهاجرون ينفضون غبار الغفلة ويشعرون بالحنين إلى الهوية الدينية ورسالة تميزهم، وبعد مرحلة الشعور بالهوية (أو الصحوة الإسلامية) جاءت مرحلة الاستيقاظ ثم التحرك ثم التجمع ثم البناء ثم التوطين وصولًا إلى المرحلة الراهنة؛ وهي مرحلة التفاعل الإيجابي مع المجتمع حيث لا مجال للعزلة والانكفاء على الذات والحذر من مواجهة الآخرين.
وفي المقابل، يرى طارق رمضان [1] أن الجيل الأول من المهاجرين لم يكن يعتبر إقامته في بلد المهجر إقامة دائمة وكان يعتريه دائمًا الإحساس بضرورة العودة إلى الوطن؛ وهو الأمر الذي لم يترتب عليه الا اللجوء إلى فتاوى جزئية خاصة بموضوعات الحياة اليومية، إلا أن الجيل الثاني ثم الثالث، الذي اكتشف أن وجوده لم يعد مؤقتًا وأنه أصبح واقعًا قائمًا، هو الذي فطن إلى إشكالية الهوية.
وأيًا كان تفسير نمو الحاجة إلى فقه للأقليات؛ فإن الواقع أشار إلى تطور الجهود الفردية ثم الجماعية في هذا المجال على أكثر من مستوى، حتى تم تأسيس مجلس الإفتاء الأوروبي (والمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية) .
ولسنا هنا بالطبع بمعرض تقويم مخرجات هذا المجلس في دوراته المتعاقبة، وخاصة فيما يتصل بموضوع الندوة"الفقه السياسي"، ولكن أركز في هذا الموضوع -وعلى ضوء منطلقات مقدمة الدراسة- على محورين أساسيين:
المحور الأول- فقه الأقليات، من حيث كونه أصولًا وقواعد منهاجية شرعية تتعامل مع الواقع، وهنا يمكن التمييز بين عدة اتجاهات في مدرسة"فقه الأقليات"من حيث تعاملها مع إشكالية العلاقة بين النص والواقع.
المحور الثاني- طبيعة فقه واقع الأقليات: أي كيف تم إدراك هذا الواقع وتوصيفه لدى اتجاهات هذه المدرسة؟ وهل يفصّلون فيه أم تأتي الإشارة إليه باعتباره ظروفَا خاصة بالأقليات تقدم المبرر للحاجة إلى فقه جديد؟ وما موقف هذا الفقه من الكليات (غاية الوجود المسلم، نمط الوجود المسلم، دوافع ومبررات الحاجة لفقه جديد للأقليات) ؟
وعن المحور الأول، فإنني أبتدئ بتقديم ملخص رؤية طرحها أحد الباحثين الشبَّان الواعدين أ. مدحت ماهر؛ (وهو من طلبة الدراسات العليا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) والتي قدمها في دراسة [2] ستصدر قريبًا -ضمن أعمال أحد المؤتمرات العلمية [3] ، وبقدر ما تحوي رؤية أ. مدحت جدية القراءة المقارنة النقدية إلا أنها تتطلب أيضًا -بدورها- نقدًا مقابلًا.
(2) مدحت ماهر: مرجع سابق.
(3) د. أماني صالح (محرر) ، مرجع سابق.