الجزء الأول- موضع فقه الواقع (التأصيل السياسي للواقع) بين اتجاهات مدرسة فقه الأقليات: نحو رؤية كلية أو فتاوى جزئية؟
أولًا:-يثير استخدام مصطلح الأقليات -بصفة عامة- تحفُّظات عدة من منظور إسلامي، فهو لم يظهر في التراث الفقهي أو التاريخي الإسلامي، ويعتبر دخيلًا عليهما؛ لأن الأساس في هذا التراث ليس الأكثرية أو الأقلية العددية بل العدالة، سواء للدلالة على غير المسلمين تجاه أكثرية مسلمة أم العكس. وكان المصطلح المستخدم هو الملل والنحل. وإذا كان مصطلح الأقلية يعكس معاني ومضامين الذلة أو القهر؛ فإن هذا ما لا تحمله أو توحي به المصطلحات الإسلامية المناظرة. ومع ذلك فإن الشائع استخدامه هو مصطلح الأقليات.
ومن ناحية أخرى .. فإن الموضوع موضع الاهتمام في الدراسة ذو أبعاد شرعية عديدة -وإن كانت هذه الأبعاد ليست ما ستتوقف عنده الدراسة بالتفصيل- إلا أنها لا تغفلها ولا تنكر أهميتها. ويجب أن نعي قدر ما ثار وما يثور من جدل حول العلاقة بين النصوص الشرعية وبين التراث الفقهي وبين الخبرات التاريخية السابقة وبين الأوضاع المعاصرة والراهنة للأقليات؛ فهي الأوضاع التي تحتاج لاجتهادات حديثة تُتوق إليها الأقليات المسلمة ذاتها، كما تحتاجها الدول الإسلامية عند توجهها نحو هذه الأقليات.
وبالرغم من خصوصية دراسة هذه الأبعاد الشرعية .. إلا أنها لا تنفصل عن الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تكوِّن الظروف الموضوعية التي يعايشها مسلمو الأقليات، والتي تؤثر على أسس وقواعد الشخصية المسلمة وذاتيتها، ولهذا؛ فإن المرحلة الراهنة من فقه الأقليات هي أحد مراحل تطور هذا الفقه عبر تاريخ الفقه الإسلامي، والذي صاحبه التطور في الظروف المنشأة لهذه الأقليات والظروف التي أحاطت بوجودها [1] .
وبقدر ما لم يكن وضع الأقليات المسلمة في العالم المعاصر مثيرًا من قبل لنفس القدر من الاهتمام الذي أضحى يثيره الآن (ومنذ ما يقرب من العقدين) بقدر ما لم يكن الاهتمام"بفقه الأقليات"قد وصل إلى ما وصل إليه الآن من تبلور ومن إثارة للنقاش في نفس الوقت.
بعبارة أخرى: اقترن ظهور وبروز فقه الأقليات بظهور وبروز مشاكل هذه الأقليات وتحدياتها على نحو جديد، وكان د. يوسف القرضاوي [2] قد اعتبر أن سؤال المسلمين عن الموقف الشرعي من قضية وجودهم وما يتفرع عنها، دليل على أن الإسلام لا يزال له أثره البالغ على سلوك المسلم وعلى تفكيره بالرغم من اغترابه عن وطنه الإسلامي، كما كان فضيلته قد اعتبر هذا الاهتمام مرحلة من مراحل تطور صلة الأقليات المسلمة بالإسلام -فكرًا وشعورًا وسلوكًا- خاصة أن هذه الصلة قد مرت بمراحل متفاوتة بدأت بمرحلة عدم الوعي أو عدم
(1) انظر هامش رقم 29.
(2) د. يوسف القرضاوي: في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2001، ص ص 18 - 23.