4_ الإخلاص: فالإيمان بالقدر يحمل صاحبه على الإخلاص، فيكون الباعث له في جميع أعماله امتثال أمر الله؛ ذلك أن المؤمن بالقدر يعلم أن الأمر أمر الله، وأن الملك ملكه، وأن ما شاءه الله كان، وما لم يشأه لم يكن، لا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، فيقوده ذلك إلى إخلاص العمل لله، وتصفيته من كل شائبة تشوبه؛ لأن الحامل على عدم الإخلاص أو قِلَّتِه مراءاةُ الناس، أو طلب التزيُّن في قلوبهم، أو طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم أو محبتهم، أو نحو ذلك من الشوائب والعلل التي يجمعها إرادة ما سوى الله في العمل (1) .
فإذا أيقن العبد أن هذه الأمورَ لا تُنال إلا بتقدير الله _ عز وجل _ وأن الناس ليس لهم من الأمر شيء في أنفسهم ولا في غيرهم _ لم يعد يبالي بالناس، ولم يَسْعَ إلى إرضائهم بسخط الله، فينقاد إلى إيثار الحق على الخلق، وإلى الإخلاص والتفريد، بعيدًا عن كل رياء وتنديد.
ومن هنا ينال فضيلة الإخلاص وأكرم بها من فضيلة؛ فالإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقيَ للفلاح، وهو الذي يحمل الإنسان على مواصلة عمل الخير، وهو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه، فيمضي حتى يبلغ الغاية.
5_ صحة التوكل وتمامه: فالتوكل على الله هو لُبُّ العبادة، ولا يصح التوكل ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر على الوجه الصحيح.
قال ابن القيم ×: =قال شيخنا (2) ÷: ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم _ أيضًا _ من الجهمية النفاة لصفات الرب _ جل جلاله _ ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات+ (3) .
والتوكل في لسان الشرع إنما يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده؛ فذلك سر التوكل وحقيقته.
(1) انظر مدارج السالكين لابن القيم 2/93.
(2) يعني ابن تيمية ×.
(3) مدارج السالكين لابن القيم 2/218.